غياب الرؤية الشاملة في قانون الشركات
المحامي قيس الفريحات
14-01-2026 02:04 AM
يُعد قانون الشركات من أكثر التشريعات التصاقًا بالحياة الاقتصادية اليومية، فهو الإطار الذي تُنشأ في ظله المشاريع، وتُنظم من خلاله الشراكات، ويُفترض أن يكون إحدى أدوات جذب الاستثمار المحلي والأجنبي، لذلك فإن وضوح هذا القانون واستقراره لا يُعد مسألة قانونية بحتة، بل شرطًا أساسيًا لبيئة أعمال قادرة على النمو.
غير أن المتابع لمسار قانون الشركات الأردني خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أنه بات من أكثر القوانين تعرضًا للتعديل، خاصة منذ عام 2017، حيث توالت التعديلات بوتيرة متسارعة، بعضها جاء لمعالجة إشكالات عملية، وبعضها لاستحداث أنواع جديدة من الشركات، أو معالجة نقاط قانونية.. وهي أهداف مشروعة من حيث المبدأ، إلا أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في التعديل ذاته، بل في غياب رؤية تشريعية شاملة تضبط اتجاه هذه التعديلات وتضمن انسجامها الداخلي.
اليوم، يقف من يتعامل مع قانون الشركات أمام تشريع فقد الكثير من بساطته، وقانون متشعب تداخلت أبوابه وتراكبت مواده، ووصل الأمر في بعض المواضع إلى حشو نصوص قانونية ضمن مواد “مكررة"، وخير مثال أحكام الشركات المساهمة الخاصة ضمن الباب الخامس المكرر بالمواد "65-79" من القانون، ما يجعل النص أقل وضوحًا وأكثر صعوبة في الفهم والتطبيق، ليس فقط على المستثمر، بل حتى على المختصين، وهو واقع لا ينسجم مع قواعد الصياغة التشريعية السليمة التي تقوم على الوضوح والاتساق وسهولة الرجوع إلى النص.
ومن أبرز مظاهر هذا الارتباك، تنظيم الشركات الأجنبية العاملة وغير العاملة، إذ تضمّن قانون الشركات الحالي أحكامًا تتعلق بها، في الوقت الذي ما زال فيه قانون الشركات الأجنبية لسنة 1985 نافذًا وينظم الفئة ذاتها، دون إلغاء صريح أو إعادة تنظيم متكاملة، ودون صدور أنظمة أو تعليمات تنفيذية واضحة تُحدد الإطار التطبيقي والإجراءات والمتطلبات، ما يفتح الباب أمام تعدد التفسيرات ويُضعف عنصر اليقين القانوني.
ولا تقف الإشكالية عند حدود النصوص، بل تمتد إلى الإجراءات العملية المرتبطة بتطبيق القانون، إذ إن عددًا من الأنظمة والتعليمات لم تواكب التعديلات التشريعية المتلاحقة، أو غير موجودة من الأساس.. ما أوجد فراغًا إجرائيًا يُملأ في كثير من الأحيان بممارسات داخلية أو “أسس تنظيمية” لدى دائرة مراقبة الشركات غير كافية أو حتى غير مطبقة، وإن الاعتماد عليها كبديل عن أنظمة وتعليمات واضحة ومعلنة لا يكفي لتنظيم الجوانب القانونية الحساسة، ويجعل التطبيق قابلًا لتفاوت التفسير حتى بين الموظفين أنفسهم.
ومؤخرًا، برزت إشكالية “تسكين الغايات”، حيث طُلب من الشركات القائمة الامتثال لمتطلبات جديدة دون مسار انتقالي واضح أو دليل منشور يمكن الرجوع إليه بشكل محدد بحيث يتضمن جميع الأنشطة الاقتصادية المعتمدة، ورغم صدور دليل تصنيف الأنشطة الاقتصادية - ISIC4 منذ عدة أعوام، إلا أنه وحتى تاريخه لا يوجد نسخة كاملة معتمدة ومنشورة رسميًا من جهة دائرة مراقبة الشركات أو أي جهة رسمية أخرى، - وإن وجدت- فهي ليست وفق آخر التعديلات، حيث قد يُفاجأ المستثمر بأن نشاطًا في سجله التجاري أصبح ملغيًا أو تغيّر مسماه أو ترميزه دون إنذار مسبق، ويتم إلزامه بتصويب الأوضاع وإلغاء النشاط من سجله التجاري أو تعديله وما يترتب على ذلك من تعديل عقد التأسيس وأنظمته الأساسية، وكأننا نقول له "هاي مشكلتك!"، وتكبيده رسوم قانونية وجهد وعبئ إضافي لا علاقة له به.. حيث أن الأصل كان أن تُدار مواءمة الغايات كإجراء تنظيمي داخلي بأدوات انتقالية واضحة ومواعيد معلنة، لا كعبء إضافي مفاجئ على الشركات يترتب عليه رسوم وتعطيل فعلي للأعمال والأنشطة الاقتصادية.
الخلاصة أن الخلل في قانون الشركات لم يعد مسألة نصوص متفرقة، بل مسألة نهج تشريعي وتنظيمي يقوم على الحلول الجزئية بدل الإصلاح الشامل، فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بتعديل جديد يُضاف إلى سلسلة طويلة من التعديلات، ولا إجراءات "فجائية" تواجه المستثمرين وأصحاب الأعمال، بل بإعادة بناء القانون ضمن رؤية متجانسة تتكامل فيها النصوص مع الإجراءات، وتُدعم بأنظمة وتعليمات واضحة ومعلنة، بما يحقق اليقين والاستقرار التشريعي أمام الشركات والمستثمرين.