الرزق المسروق .. حين يكون الظلم ممهوراً بتوقيع رسمي ..
محمود الدباس - أبو الليث
14-01-2026 08:00 AM
يُروى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه دخل المسجد.. فاستوقف رجلاً عند بابه.. وقال له أمسك عليّ بغلتي.. فأخذ الرجل لجامها.. ثم ما لبث أن تركها ومضى.. خرج علي رضي الله عنه وفي يده درهمان.. ليكافئ بهما الرجل على أمانته.. فوجد البغلة واقفة بلا لجام.. أخذها ومضى.. ثم أعطى غلامه الدرهمين ليشتري له لجاماً.. فعاد الغلام باللجام نفسه.. وقال وجدتُه في السوق قد باعه السارق بدرهمين.. فابتسم علي رضي الله عنه وقال كلمته التي تختصر الدنيا كلها.. إن العبد ليحرم نفسه الرزق الحلال بترك الصبر.. ولا يزداد على ما قدر له..
هذه ليست قصة عن لجام.. ولا عن درهمين.. بل عن عقل استعجل.. وقلب لم يصبر.. ورزق كان سيأتي نظيفاً.. فدخل صاحبه إليه ملوثاً..
السارق لم يربح شيئاً.. أخذ الدرهمين اللذين كانا سيأتيانه بالحلال.. لكنه أخذهما -وهما رزقه الذي كتبه الله له- ومعهما وزر.. ومعهما قلق.. ومعهما لعنة الخفة التي تصيب كل حرام.. أما الرزق.. فقد وصل إلى صاحبه كما قُدّر له بالضبط.. لا ناقصاً ولا زائداً..
وإن تغيّر الزمان.. وتبدلت الأشكال.. فالحكاية ذاتها تتكرر كل يوم.. لكن بلا لجام هذه المرة.. بل بوظيفة.. وبواسطة.. وباتصال هاتفي.. شاب ينتظر دوره.. تعب.. درس.. صبر.. عمل كل ما عليه عمله.. يدخل مقابلة.. يخرج منها متأملاً.. ثم يُقال له لاحقاً.. لم يقع عليه الاختيار.. ليس لأنه أقل كفاءة.. بل لأن اسماً آخر سبق اسمه.. اسماً دخل من باب المعرفة.. أو القرابة.. أو النفوذ.. هبط بمظلية الواسطة.. هنا لم تُسرق نقود.. بل سُرق حق.. وسُرق عمر.. وسُرق أمل..
والأقسى أن مَن يفعل ذلك.. يقنع نفسه بأنه لم يظلم أحداً.. يقول لو لم أُوظّف ابني لوظفه غيره.. لو لم أُدخل قريبي لدخل سواه.. فيغسل يديه من الدم.. وينسى أن الحق لا يتجزأ.. وأن الظلم لا يحتاج نية خبيثة.. يكفيه فعل أعوج..
أما ذلك الذي وُظّف بغير حق.. لم يأخذ رزق غيره.. بل أخذ رزقه بالطريق الحرام.. ولو صبر.. ولو انتظر.. ولو سلك الطريق الصحيح.. لكان الرزق ذاته سيأتيه.. ربما باعتذار صاحب الحق عن الوظيفة.. ربما بعد غياب المنافس عن المقابلة أو الامتحان.. ربما بعد فرصة لم تخطر له على بال.. لكن الله لا يُخطئ في التوقيت..
وأما المسؤول الذي يوقّع.. فهو لا يخرج بلا ثمن.. لكنه ثمن مؤجل.. سيئات تتكدس.. ودعاء مظلوم يُرفع في ليل طويل.. دعاء لا يُسمع صوته.. لكنه يُسمع أثره.. ووالله إن أحدنا لا ينام ليلته.. إن ظن أن هناك من دعا عليه لخطئٍ بغير قصد.. فكيف بمن يعلم يقيناً.. أن دعاءً خرج من صدر مكسور بسبب توقيعه؟!.. وكيف يطمئن قلبه.. وكيف يبارك الله له.. وقد بنى مكانته على خراب غيره؟!.. أم ينطبق عليهم قوله تعالى "كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ"؟!..
هذه الكلمات ليست شتيمة.. ولا خطاب كراهية.. بل صفعة وعي.. لعل مَن يمد يده للحرام يتوقف لحظة.. ولعل من يستعجل رزقه يفهم أن الصبر ليس ضعفاً.. وأن الرزق لا يُخطف.. وأن ما كُتب لك سيأتيك.. نظيفاً.. كريماً.. بلا ذل.. وبلا دعاء عليك.. أما الحرام.. فمهما بدا سهلاً.. فإنه الطريق الأقصر لهدم النفس قبل أن يهدم غيرها..