facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"التوجيهي الجديد" قراءة تربوية لمبررات تقليص الحقول وتعديل المسارات


فيصل تايه
14-01-2026 11:05 AM

بعد ان اصبح "التوجيهي الجديد" تجربة تعليمية حية تتشكل يوماً بعد يوم داخل الصفوف ، خاصة مع مرور الوقت على بدء تطبيق هذا النظام، بات من الضروري التوقف عنده بقراءة تربوية هادئة، تنطلق من تفحص التجربة بإنصاف ووعي ومسؤولية، وبما ينسجم مع روح التطوير التي انطلقت منها هذه القرارات أساسا، مع تقديم إشارات واضحة لمسؤول القرار حول مواطن الاهتمام الأساسية لضمان نجاح التجربة.

من حيث المبدأ، لا يمكن إنكار أن "التوجيهي الجديد" جاء محملاً بنوايا تطويرية واضحة، تسعى إلى توجيه الطلبة وفق ميولهم، وتخفيف حدة الحسم الأحادي، والاقتراب أكثر من متطلبات التعليم العالي وسوق العمل ، ولا سيما بعد تقليص الحقول في محاولة لتبسيط الهيكل العام للتوجيهي والحد من التشتت في الخيارات المتاحة أمام الطلبة، وهو توجه تنظيمي مهم في ذاته ، اذ ان هذه الأهداف في جوهرها منسجمة مع اتجاهات تربوية حديثة، وتعكس رؤية تسعى إلى تحديث التعليم لا تجميله شكلياً ، غير أن الميدان التربوي يعلمنا دائماً أن نجاح أي إصلاح لا يتوقف عند الفكرة، بل عند تفاصيل التطبيق، ومدى قدرتها على حماية الطالب أكاديمياً وبنيوياً في المراحل المبكرة من تكوينه العلمي، وهو ما يتطلب قراءة مستمرة للمؤشرات الميدانية والتفاعل معها بمرونة، مع تزويد صانع القرار بمعطيات دقيقة لتمكينه من اتخاذ خطوات تصحيحية مبكرة عند الحاجة .

من أبرز ما كشفته مرحلة التطبيق الأولى هو أن تعدد المسارات، رغم وجاهته النظرية، أفرز واقعاً جعل بعض المواد الأساسية تتراجع في وعي الطالب واهتمامه، وفي مقدمتها الرياضيات، وبدرجة أقل اللغة الإنجليزية ، ففي ظل غياب إلزامية واضحة لهاتين المادتين في بعض المسارات، بدأ كثير من الطلبة منذ مراحل مبكرة، حتى قبل الصفوف الثانوية، بالتعامل مع مادة الرياضيات بوصفها مادة هامشية لا تؤثر في مستقبله، الأمر الذي انعكس ضعفاً تراكمياً في المهارات، وفتوراً في الدافعية، وخسارة مبكرة لأحد أهم أدوات التفكير المنطقي والتحليل العلمي، وهو أمر لا يخدم الطالب ولا يخدم أهداف النظام نفسه، ويستدعي اهتماماً مباشراً من صانع القرار لضمان أن كل مادة أساسية تحتل موقعها اللائق في المنظومة التعليمية.

هذا الواقع لم يكن خللاً في الطالب بقدر ما كان نتيجة مباشرة لطبيعة الرسائل التي أرسلها النظام نفسه ، فحين لا تكون المادة مطلوبة، يتراجع حضورها تلقائياً في وعي الطالب، مهما بلغت أهميتها التربوية ، لذلك ، فيمكن النظر إلى التعديل الأخير الذي أعاد اللغة الإنجليزية والرياضيات إلى موقع الإلزام داخل المسارات بوصفه خطوة بالغة الأهمية، لا على مستوى الامتحان فقط، بل على مستوى إعادة التوازن للمنظومة التعليمية بأكملها، وتصويب مسار كانت ملامحه بدأت تنحرف عن جوهر البناء المعرفي المتين، وهو ما يعطي صانع القرار إشارات واضحة بأن هذه المواد يجب أن تظل دائماً محورية في كل مراجعة مستقبلية للمنهج.

ان إلزام هاتين المادتين لا يعيد لهما حضورهما الأكاديمي فحسب، بل يعيد الاعتبار لمبدأ أن هناك مهارات لا يمكن لأي طالب أن يعفى منها، مهما اختلف مساره أو توجهه ، فالرياضيات ليست مادة تخصصية بقدر ما هي لغة تفكير، واللغة الإنجليزية لم تعد خياراً إضافياً بل مدخلاً أساسياً للتعلم الجامعي والانفتاح المعرفي ، وان إعادة هاتين المادتين إلى قلب المشهد التربوي تعني عملياً تصحيح مسار بدأ بالانحراف، وإرسال رسالة واضحة للطالب منذ وقت مبكر مفادها أن بناء الأساس لا يقل أهمية عن اختيار التخصص، وهي رسالة تصب مباشرة في مصلحة الطالب والمنظومة التعليمية على حد سواء، وتضع صانع القرار في موقف داعم ومرشد يمكنه من اتخاذ الخطوات التالية بثقة أكبر.

في المقابل، لا تزال هناك تحديات في الميدان تستدعي الوقوف عندها بهدوء ومسؤولية، لا من باب النقد، بل من باب الحرص على إنجاح التجربة ، فالتطبيق المتفاوت بين المدارس، وتفاوت الجاهزية، واستمرار الغموض لدى بعض الطلبة وأولياء الأمور حول المسارات وتبعاتها، كلها مسائل تحتاج إلى مزيد من التوضيح والإرشاد والدعم، لا إلى قرارات إضافية فقط ، وهنا تبرز أهمية التدرج، وتعزيز التواصل، والاستثمار في الإرشاد التربوي بوصفه ركيزة لا تقل أهمية عن القرار نفسه، وهو ما يجب أن يصل إلى صانع القرار كخريطة واضحة لمناطق التركيز والتدخل.

المعلم أيضاً ، وهو شريك أساسي في إنجاح أي تعديل، يحتاج إلى أدوات واضحة وتدريب مستمر ليتمكن من ترجمة هذه التعديلات إلى ممارسات صفية فعالة ، فحين يشعر المعلم أنه جزء من القرار، ومطلع على فلسفته، وقادر على شرحه بثقة، يتحول من منفذ للتعليمات إلى حامل للرؤية، وهو ما ينعكس مباشرة على الطالب ومستوى تفاعله مع النظام، ويعطي صانع القرار شعوراً بأن كل خطوة تصحيحية أو دعمية ستجد تطبيقاً فعليًا على الأرض.

الطالب اليوم يبحث عن الاستقرار والوضوح ، وحين يشعر أن النظام يتعلم من نفسه، ويصحح مساره، ويعيد الاعتبار للمواد التي تشكل عموده الفقري، فإنه يكون أكثر استعداداً للانخراط فيه والتفاعل معه بإيجابية ، من هنا، فإن التعديل الأخير ينبغي قراءته باعتباره علامة نضج في إدارة التجربة، ودليلاً على أن صانع القرار يصغي للميدان ولا ينفصل عنه، ويملك فرصة ذهبية لتعزيز الثقة بين الطالب والميدان والنظام.

يجب ان نعي تماماً ان التوجيهي الجديد لا يزال مشروعا مفتوحاً على التحسين، وما تحقق فيه من تصويبات، وعلى رأسها إعادة الاعتبار للرياضيات واللغة الإنجليزية، يشير إلى إمكانية حقيقية لبناء نموذج أكثر توازناً وعدالة ، فالإصلاح التربوي الناجح ليس ذاك الذي يدعي الكمال، بل ذاك الذي يصغي، ويراجع، ويصحح، واضعاً الطالب ومستقبله في قلب كل قرار، ومؤمناً بأن الشراكة بين صانع القرار والميدان هي الطريق الأقصر نحو نجاح أي تجربة وطنية كبرى، وهي رسالة واضحة لصانع القرار بأن كل خطوة تصحيحية محسوبة ومدروسة تعزز من نجاح هذه التجربة على المدى الطويل.

والله ولي التوفيق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :