LTUC/SAE
لم يعد الفن حكرًا على النخب أو على من يملكون المال أو التعليم الأكاديمي المتخصص. بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، صار بإمكاننا اليوم أن نطلّ على مجمل أعمال فان غوخ، وسلفادور دالي، والمعلم بيكاسو، وأن نتابع تجاربهم الفنية من الألف إلى الياء. تعرّفنا إلى مساراتهم، وتعلّمنا من أعمالهم، تأثرنا بهم، بل وحاولنا — ولا نزال — تجاوزهم عبر بناء شخصية فنية خاصة بنا.
المهم أنّ الميديا الجديدة منحتنا فرصة لالتقاط أنفاسنا، ولملمة ذواتنا، ومحاولة التعبير أياً كان موقعنا من التعليم الفني أو درجته. أعترف أنني درست تاريخ الفن إلى جانب الإعلام، لكنني لم أُكمل المسيرة التعليمية في هذا الحقل، وبقيت منغمسًا في الإعلام حتى ما بعد الدكتوراه. لاحقًا، انتقلت إلى مجال الدراسات الثقافية، وتحديدًا دراسات الاتصال عبر الثقافات الشاملة (Cross-Cultural Communication Studies – CCCS).
هكذا، صار تاريخ الفن بالنسبة لي جزءًا من الماضي، لا لأنه فقد قيمته، بل لأن الذكاء الاصطناعي والرقمنة أعادا تشكيل حياتنا بالكامل. نحن نعيش اليوم ثورة معرفية هائلة، أعادت تعريف مفاهيم الإنتاج، والتلقي، والمهارة، والموهبة.
لم يعد التلوين والخربشة امتيازًا، بل صارا ممكنين، ومتاحَين، وفي متناول الجميع. لم يعد الفن حكرًا على أحد، ولا يستطيع فنان — اليوم أو بالأمس — أن يُلغي الآخر، أو أن يدّعي امتلاك الحقيقة الجمالية وحده. حتى الفنان العظيم لم يعد قادرًا على إعلان امتلاكه لناصية اللون أو الخط أو النقطة.
تغيّرت الأزمنة، وصارت دمقرطة الفن واقعًا ملموسًا. الفن اليوم مرميّ في الشارع، في سوق الخضار، وعلى جدران المدن والمنازل. الفن خرج من القاعات المغلقة، ونزل إلى الحياة اليومية، حيث الناس، حيث الأسئلة، وحيث الحرية.