الحضانة المشتركة .. حين لا يحدث الانفصال بين الوالدين
المحامية حنين البطش
14-01-2026 04:28 PM
الأب هو ركن مهم في بناء الأسرة، وهو المسؤول الأكبر عن رعاية صغاره ودعمهم في هذا المجتمع، لكن إن هبّت عاصفة واجتاحت رابطة الأسرة وأدت إلى انفصال الزوجين فهذا لا يعني أن تتفكك الأسرة وأن ينشأ الصغير في بيئة بعيدة عن حنان وعاطفة ودعم الأب، ففي الآونة الأخيرة ازدادت المطالب الشعبية في أن تكون الحضانة للأب مع أن قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم (15) لعام 2019 حسب ما جاء به المشرع الأردني في المادة رقم (170) أعطى حق الحضانة للأم أولا، ثم لأم الأم ثم لأم الأب ثم للأب، ولا خلاف على اتفاق الطرفين على الحضانة المشتركة وتصديق القاضي على هذا الاتفاق، لأنه لا يحلّ حراما ولا يحرّم حلالا ويقتضي به مصلحة الصغير أولاً.
فمن هنا لو تم إلقاء الضوء على المتضرر الأكبر من نتيجة الانفصال سنجد بأنهم الأبناء الذين تعرضوا للضغط النفسي والتشتت العاطفي وصراع الولاء وغيره، فماذا لو كانت الحضانة مشتركة بين الأم والأب، فهذا سيخلق جسر أمان للصغير بعد انفصال الوالدين، والحضانة المشتركة طريق نحو توازن نفسي مستدام للصغار بعد الطلاق، لأن الانفصال الذي وقع هو انفصال زوجين وليس والدين.
تعد الحضانة المشتركة نموذجا يقوم على استمرار مشاركة كلا الوالدين في تربية ورعاية واتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالطفل، بدلاً من انفراد طرف واحد بالسلطة الأبوية. الهدف الأساسي ليس "تقسيم الطفل"، بل "تقسيم المسؤولية" لضمان بيئة مستقرة، فمشاركة المسؤولية التربوية تخفف الضغط عن الأم وتمنح الأب فرصة ليكون مؤثرا حقيقيا وليس مجرد "زائر" وفقا للقانون الذي يمنحه حق المشاهدة والاستزارة أو المبيت أو كليهما حسب ما تقتضيه سن الصغير تبعا لما نص عليه المشرع الأردني في قانون الأحوال الشخصية الأردني، وتحسين جودة الوقت، فعندما يقضي الصغير وقتا محددا مع كل طرف، يبذل الوالدان جهدا أكبر لجعل ذلك الوقت ممتعا ومفيدا للصغير، بعيدا عن روتين الإرهاق الدائم. ومن هنا سينشأ الصغير بعيدا عن ضحية الطلاق، لأن تحسن الاستقرار العاطفي سينعكس عليه، ما يقلل من احتمالية إصابته بالاكتئاب أو القلق الناتج عن غياب أحد الوالدين، والحفاظ على الرابطة الأسرية، فيشعر الطفل بأن الانفصال حدث بين الزوجين، وليس بين الوالدين، ما يحميه من الشعور بالفقد أو التخلي.
ويمكن أن تعكس الحضانة المشتركة تنوع النماذج التربوية التي يستفيد منها الصغير من الصفات والمهارات المختلفة التي يمتلكها كل من الأب والأم، ما يغني شخصيته وتجاربه الحياتية ويبني لديه شخصية قوية ليكون عنصرا فعالا في المجتمع، إذ ينعكس هذا على شخصيته وسلوكه ويعزز ثقته بنفسه عندما يرى أن والديه (رغم اختلافهما) يتعاونان من أجله، فهذا يولّد لديه شعورا عاليا بالقيمة والذات، والأهم من ذلك تطوير مهارات التكيف، بحيث يتعلم الصغير كيفية التعامل مع بيئتين مختلفتين وجداول زمنية متنوعة، ما ينمي لديه المرونة النفسية، ناهيك بتجنب صراع الولاء في الحضانة المشتركة، وهنا يتوقف الطفل عن الشعور بأنه مضطر لاختيار جانب على حساب الآخر، ما يريحه من ضغط نفسي هائل.
وفي نهاية المطاف فإن مصلحة الصغير هي المصلحة الفضلى حينما تمثّل الحضانة المشتركة تحولا جوهريا في مفاهيم الرعاية الأسرية الحديثة، إذ تنتقل من فكرة "الطرف الفائز" بالحضانة إلى فكرة "المشاركة المستدامة". ورغم التحديات التي قد تفرضها هذه التجربة، تثبت الدراسات تفوقها في الحفاظ على الصحة العقلية للأبناء. ويبقى الوعي المجتمعي والدعم القانوني الركيزتين الأساسيتين لتحويل هذا النموذج إلى واقع ناجح يحمي الأجيال القادمة.