الإدارة المحلية والتحول الديمقراطي
م. عبدالله فضيل النهار
14-01-2026 06:35 PM
قدّمت الرؤية الملكية للتحديث ثلاثة محاور محورية ومتكاملة في رسم ملامح الدولة الأردنية الحديثة، تمثلت في محور التحديث السياسي والتحول الديمقراطي، ومحور التحديث الإداري، ومحور التحديث الاقتصادي. ويعد المحوران السياسي والإداري الركيزة الأساسية التي تدفع بعجلة التحديث الاقتصادي نحو النمو والتسارع، في إطار رؤية شمولية تتبناها الدولة بكافة أركانها.
وعند الحديث عن الإدارة المحلية، فإننا نتناول نموذجاً تطبيقياً يجسد هذه المحاور الثلاثة في آن واحد ؛ إذ تتقاطع فيه الأبعاد السياسية والإدارية والاقتصادية، بدءاً من رأس الدولة، مروراً بالسلطتين التنفيذية والتشريعية، وصولاً إلى السلطة القضائية، وبما ينسجم مع تطلعات المواطنين واحتياجاتهم.
تشكل البلديات ومجالس المحافظات (اللامركزية) حجر الزاوية في هذا النموذج؛ فهي من حيث البعد السياسي تعبر عن التحول الديمقراطي عبر الانتخاب المباشر لأعضائها، ومن حيث البعد الإداري تعد حاضنة لتطوير الأداء المؤسسي والارتقاء بجودة الخدمات، ومن حيث البعد الاقتصادي تعد بيئة جاذبة للاستثمار بما تقدمه من تسهيلات وخدمات على المستوى المحلي.
فالبلدية هي نقطة البداية التي يتعامل معها المواطن والمستثمر على حد سواء، وهي الحاضنة الجغرافية التي تترجم فيها السياسات الاقتصادية والقرارات الحكومية على أرض الواقع. ورغم أهمية دور الوزارات القطاعية كوزارة الاستثمار ووزارة الصناعة والتجارة ووزارة الاقتصاد الرقمي، إلا أن أثر هذه السياسات لا يتحقق فعلياً إلا من خلال وحدات الإدارة المحلية.
ومن هذا المنطلق، فإن تحقيق الرؤى الملكية والتطلعات الوطنية يقتضي تمكين البلديات تمكيناً حقيقياً سياسياً وإدارياً. فالتمكين السياسي يتحقق عبر الانتخاب المباشر، باعتباره التعبير الأصدق عن إرادة المواطنين، وهو مبدأ لا جدال فيه. غير أن هذا التمكين السياسي لا يكتمل دون تمكين إداري موازي يضمن كفاءة الأداء وحسن إدارة الموارد.
فالأشخاص المنتخبون يمثلون إرادة الشعب، ولا يجوز التشكيك في هذا الخيار أو الانتقاص منه، إلا أن تجويد العمل الإداري يتطلب تحصين البلديات بهياكل إدارية مهنية متخصصة، تعمل وفق أسس فنية واضحة، وتدار بعقلية مؤسسية قادرة على تقديم الخدمة العامة بكفاءة وعدالة.
وفي هذا السياق، فإن ما يطرح من تعديلات على قانون الإدارة المحلية فيما يخص تشكيل مجالس المحافظات من مديري الدوائر الحكومية في المحافظة، يثير تساؤلات جوهرية؛ إذ إن هؤلاء المديرين هم أصلًا جزء من المجلس التنفيذي للمحافظة، ويمثلون الحكومة ويتولون إدارة الشؤون التنفيذية وتقديم الخدمات.
أما مجلس المحافظة المنتخب، فهو الممثل الشرعي لإرادة المواطنين. ومن هنا، فإن الجمع بين دور التنفيذ ودور الرقابة في جهة واحدة يتعارض مع مبادئ الحوكمة الرشيدة، ويضعف جودة القرار الإداري وتحقيق المنفعة العامة. إننا نؤكد هنا على مبدأ الفصل بين الأدوار، انسجاماً مع الدستور الأردني القائم على الفصل بين السلطات مع التعاون والتكامل بينها، لا على التداخل أو التضاد أو الانتقاص من أي دور.
وعليه، فإن وجود مجلس محافظة منتخب يمارس دوراً رقابياً وتشريعياً محلياً إلى جانب مجلس تنفيذي معين يمارس الدور التنفيذي، هو السبيل الأمثل لتحقيق التكامل المؤسسي وضمان المصلحة العامة.
أما على الصعيد البلدي، فإن التجربة العالمية تؤكد أن المجالس البلدية ورؤساءها ينتخبون ديمقراطيا، غير أن تجويد العمل البلدي يقتضي تعيين مدير بلدية محترف يتمتع بالكفاءة والخبرة الإدارية، وهو ما أخذ به التشريع القائم، ويجري التوسع في صلاحياته ضمن التعديلات المقترحة.
فالكادر الإداري في البلديات يجب أن يختار على أسس مهنية واضحة، بعيداً عن الاعتبارات الشعبوية، وبما يضمن أعلى درجات الكفاءة والنزاهة. ولا ضير في أن يكون لوزارة الإدارة المحلية دور تنظيمي في هذا التعيين، ضمن إطار قانوني واضح يمنح المدير المعين الصلاحيات الإدارية اللازمة، مع بقائه خاضع لرقابة المجلس البلدي المنتخب، الذي يملك صلاحية مسائلته أو إعفائه عند الإخلال بواجباته.
إن هذا التوازن بين الانتخاب والتعيين، وبين القرار السياسي والإدارة المهنية، يعزز من فاعلية العمل البلدي، ويقود إلى تفاهم مؤسسي حقيقي، ويسهم في تحقيق المنفعة العامة وخدمة المواطنين، ودعم مسارات الإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي للدولة.
وقد كشفت بعض الأحداث خلال الموسم الشتوي الحالي، الناتجة عن الظروف الجوية وغزارة الأمطار، عن وجود اختلالات في تنفيذ بعض المشاريع والبنى التحتية التابعة للبلديات وأمانة عمّان الكبرى ووزارة الأشغال العامة. وهذا لا يعني بالضرورة اتهام القائمين على هذه المؤسسات، سواء كانوا منتخبين أو معينين، بالإهمال أو التقصير، وإنما يشير إلى تحديات تتعلق بقلة الخبرة الإدارية، وضعف إدارة الوقت، وعدم ترتيب الأولويات، وغياب تطبيق منهجية الأولويات الحرجة في التنفيذ.
وقد انعكست هذه التحديات سلباً على المواطنين وعلى البنية التحتية الوطنية، مع التأكيد على أن ما هو مملوك للمواطن هو مملوك للوطن، وما هو مملوك للوطن هو مملوك للمواطن، ما يستوجب الحفاظ عليه من الجميع، وتقديم أفضل مستوى من الخدمات العامة.
إن الدولة الأردنية تقدر عالياً خيار الديمقراطية، وتحافظ عليه من خلال الإبقاء على مبدأ الانتخاب في المجالس البلدية ومجالس المحافظات وفي الوقت ذاته تحرص على جودة الخدمات عبر أجهزة تنفيذية مهنية معينة، تعمل بكفاءة واحتراف لخدمة الوطن والمواطن.
حفظ الله الأردن، وسدد على طريق الخير القائمين على خدمته، وجعل مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار .