هل نحن شعوب مهووسة بالأصول؟
م. وائل سامي السماعين
14-01-2026 08:32 PM
في كثير من منصات التواصل الاجتماعي، لا يكاد يُذكر اسم فنان أو إعلامي أو شخصية عامة في بلد عربي ما، إلا ويُسارع البعض إلى إضافة جملة: «وهو كذا… ولكن من أصول كذا»، أو «ينتمي إلى الطائفة الفلانية»، أو «هو علماني/متدين».
وكأن الهوية الوطنية وحدها لم تعد كافية، وكأن الانتماء القانوني والاجتماعي لا يكتمل إلا بإلحاق “الهوية الفرعية” به.
في الأردن، على سبيل المثال، نسمع كثيرًا توصيفات من نوع: «أنا أردني من أصول فلسطينية» أو «فلسطيني يعيش في الأردن»، حتى عندما يكون الشخص مولودًا في الأردن، ويحمل جنسيتها، ولم يعرف وطنًا غيرها.
هذا التوصيف، مهما كانت نواياه حسنة، يعكس إصرارًا اجتماعيًا على إبقاء خانة “الأصل” حاضرة قبل خانة “المواطنة”، وكأن الانتماء القانوني لا يكفي وحده لتأكيد الهوية الكاملة.
وفي بعض دول الخليج، تظهر الظاهرة بصيغ أخرى لا تقل دلالة، حيث يُصنَّف الناس وفق تعبيرات اجتماعية متداولة مثل: «من أصول إيرانية»، أو «خضيري» في مقابل “قبلي”، في إشارة إلى أصول يمنية أو غيرها، بما يخلق هرمًا اجتماعيًا غير معلن للقيمة والقبول، رغم أن الجميع مواطنون متساوون أمام القانون نظريًا.
وفي المقابل، نادرًا ما نسمع في الخطاب اليومي أمريكيًا يقول: «أنا أمريكي من أصول إيرلندية»، أو أوروبيًا يقدّم نفسه بهذه الصيغة، إلا في سياق ثقافي أو تاريخي محدد، لا في سياق التعريف الاجتماعي أو السياسي.
في الحياة العامة، الهوية الوطنية هي الإطار الجامع، أما الأصول العرقية أو الدينية فتبقى شأنًا شخصيًا لا يُستخدم لتحديد الموقع الاجتماعي أو لقياس “درجة الانتماء”.
المفارقة أن معظم القوانين في الدول العربية تجرّم التمييز على أساس الدين أو الأصل أو العرق، بل إن بعضها يمنع حتى السؤال عن هذه الأمور في التوظيف والمعاملات الرسمية. ومع ذلك، ما زالت هذه الأسئلة حاضرة بقوة في الثقافة اليومية، وفي الخطاب العام، وفي المجالس الخاصة، وفي التعليقات الإلكترونية، وكأن المجتمع يمارس ما يمنعه القانون.
المشكلة هنا ليست في الاعتزاز بالهوية الثقافية أو الدينية أو الجغرافية، فذلك حق طبيعي ومشروع، بل في تحويل هذه الهويات إلى أدوات تصنيف اجتماعي وتقييم ضمني للانتماء والولاء. حين يُقال: “هو مواطن، لكن من أصول كذا”، فهذه الـ “لكن” وحدها كافية لإفراغ المواطنة من مضمونها المتساوي.
ومن هنا، تبدو مقولة إن “الغرب يفرقنا” تفسيرًا مريحًا لكنه غير دقيق. الواقع أن القوى الخارجية لا تصنع هذه الانقسامات من العدم، بل تستثمر في الشروخ القائمة أصلًا داخل مجتمعاتنا. هي تستخدم الأدوات المتوفرة، لا تختلقها.
وبمعنى أدق، حين تكون القابلية للفرز والتصنيف متجذرة في الثقافة الاجتماعية، فإن أي توتر سياسي أو إقليمي يجد أرضًا خصبة للتمدد والانقسام.
جزء من تفسير هذه الظاهرة يعود إلى التاريخ الاجتماعي للمنطقة، حيث لعبت العائلة والعشيرة والطائفة دورًا في الحماية والضمان الاجتماعي في غياب الدولة الحديثة. لكن استمرار هذا المنطق في زمن الدولة والمؤسسات والدساتير لا يمكن تبريره بالتراث وحده، بل يشير إلى تعثر الانتقال الحقيقي من “مجتمع الجماعات” إلى “مجتمع المواطنين”.
ولا يمكن تجاهل أن وسائل التواصل الاجتماعي ضاعفت هذه النزعة؛ إذ تحولت الهويات إلى ملصقات جاهزة تُستخدم في السجال، وفي الاصطفاف، وفي تسجيل النقاط، بدل أن تبقى شأنًا شخصيًا لا علاقة له بالقيمة العامة للفرد أو بكفاءته أو بإسهامه في مجتمعه.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل الشعوب العربية أكثر عنصرية من غيرها؟
بل: لماذا ما زلنا نُصرّ على تعريف الإنسان بما وُلد به، لا بما اختاره وحققه وشارك به في بناء مجتمعه؟
الانتقال إلى خطاب مدني حقيقي لا يبدأ فقط بالقوانين، بل بالثقافة اليومية، وباللغة التي نستخدمها، وبالأسئلة التي نعتبرها “عادية” وهي في حقيقتها ليست كذلك.
فحين يصبح السؤال عن الأصل أو الدين غير مطروح اجتماعيًا، عندها فقط يمكن القول إن المواطنة أصبحت ممارسة يومية، لا مجرد مادة في الدستور.
waelsamain@gmail.com