ليس أخطر ما في ملف إيران صخب الشارع الآن وثورانه، ولا حدة الخطاب الدولي، بل ذلك الخيط الخفي الذي ربط الدولة، طوال 47 عاما، بفكرة تفويض العنف خارجها. هنا يكمن العمق الحقيقي للحكاية. فالقصة لا تبدأ بالاحتجاجات ولا تنتهي بالضغوط الخارجية، بل تعود إلى اختيار إستراتيجي قديم جعل القوة تنتشر وتتصدر بدل أن تتركز، تتكاثر بدل أن تنضبط.
في منطق الدولة الحديثة، يحتكر المركز القرار والسلاح معا. لكن التجربة الإيرانية سلكت مسارا مختلفا، إذ بسطت نفوذها عبر كيانات موازية، تقدم بوصفها حلفاء، بينما تعمل فعليا كوكلاء كلهم معروفون. هذا النموذج، الذي يوصف بالحرب بالإنابة احيانا، وفر لطهران نفوذا واسعا بتكلفة مباشرة أقل، لكنه زرع في الوقت نفسه بذور التآكل البطيء. فحين يخرج العنف من الإطار المؤسسي، لا يعود قابلا للضبط الكامل، بل يتحول إلى مشروع قوة مستقل، قد يطيع اليوم ويتمرّد غدا.
المفارقة أن ذلك الخيار، الذي صمم ليحمي الدولة من المواجهة المباشرة، عاد ليضعفها ويهلكها من الداخل. فالدولة التي ترى السلاح موزعا، والقرار مجزأ، تفقد تدريجيا هيبتها أمام مواطنيها. ومع الزمن، يتشكل وعي جمعي يرى أن السلطة ليست واحدة، وأن القانون ليس المرجع الوحيد. هنا يبدأ الشرخ بين الدولة بوصفها كيان حكم، والمجتمع بوصفه حاملا للأعباء.
في الداخل الإيراني، تفاقم ذلك الشرخ مع ضغوط اقتصادية قاسية وعزلة دولية خانقة. لم يعد المواطن يسأل عن الشعارات الكبرى، بل عن قدرته على العيش بكرامة وإنسانية. وحين خرج إلى الشارع، لم يكن مدفوعا فقط بالغضب، بل بإحساس عميق بأن الدولة لم تعد تمثله كما ينبغي. الرد الأمني العنيف، بدل أن يغلق الدائرة، وسعها، وأعاد طرح السؤال القديم بصيغة أكثر إلحاحا: من يملك الدولة، ومن يدفع ثمن بقائها.
خارجيّا، كشفت الأحداث التي مرت بنا خلال العامين الماضيين أن سياسة الوكلاء لا تحمي إلى الأبد. فالوكلاء يضعفون، والحلفاء يتراجعون، والخصوم يقرأون الثغرات. ومع كل ضربة، يتأكد أن القوة المبعثرة أقل صلابة من دولة متماسكة من الداخل. عند هذه النقطة، يصبح الخطر الحقيقي ليس في سقوط النظام أو بقائه، بل في تآكل فكرة الدولة ذاتها.
إيران الآن تقف عند مفترق حساس. إما مراجعة عميقة تعيد الاعتبار للدولة، بوصفها عقدا مع المجتمع لا أداة فوقه، وهذا احتمال ضعيف. أو استمرار في مسار يستنزف الجميع. التاريخ يقول إن الفوضى لا تعترف بالنيات، ولا تكافئ من أطلقها. وما بين الوكيل والشارع، يبقى السؤال مفتوحا، بانتظار جواب يصنعه الداخل قبل الخارج.
"الدستور"