عام صعب .. ودولة مطالبة بالثبات لا التردد
مالك العثامنة
15-01-2026 12:33 AM
عام 2026 لن يكون عاما سهلا على الأردن، وهذه ليست مقولة إنشائية ولا ترفا تحليليا، بل توصيف بارد لواقع إقليمي ودولي شديد الاضطراب، يتغير بسرعة أكبر من قدرة كثير من الدول على التكيّف، والعالم من حولنا لا يعيد ترتيب نفسه بهدوء، بل بضربات متلاحقة، اقتصادية وسياسية وتكنولوجية، والأردن، بحكم موقعه ودوره وتشابكاته، ليس خارج هذا السياق ولا محصنا منه، بل يتأثر به ويتفاعل معه شاء أم أبى.
العالم يتغير بضراوة، والإقليم، وهو قلب هذا العالم المتوتر، يشهد تحولات عميقة وحاسمة، ما نراه ليس أزمات موسمية يمكن تجاوزها بالانتظار، بل إعادة تعريف لقواعد الاقتصاد والعمل والأمن الاجتماعي، والارتدادات حاصلة، وستكون أكثر حضورا في تفاصيل حياتنا اليومية، من كلفة العيش إلى فرص العمل، ومن شكل المدن إلى مفهوم الاستقرار نفسه، البقاء على ما اعتدناه، والتمسك بما ألفناه من أنماط مريحة، لم يعد مجديا، بل قد يصبح عبئا يفاقم الخسائر بدل أن يحميها.
ما يمكن أن ينقذنا كأردنيين، إذا أحسنا قراءته، هو قدرتنا على تقبل التغيير، لا بوصفه خطرا، بل باعتباره ضرورة وجودية، هنا تحديدا يبرز دور الدولة، لا كمجرد إدارة للأزمات، بل كقائد للمسار، فالمزاج الشعبي بطبيعته يميل إلى الخوف من التغيير، ويتشبث بالوضع القائم حتى لو كان مختلا، لكن الدولة لا تُدار بالمزاج، بل بالعقل، ووظيفتها قيادة المركب وسط التقلبات، لا مجاراتها، واتخاذ قرارات قد تكون صعبة ومؤلمة على المدى القصير، لكنها تحمي الاستقرار على المدى الأبعد.
في هذا السياق، جاءت مقابلة رئيس الوزراء جعفر حسان الأخيرة على التلفزيون الأردني لافتة في نبرتها ومضمونها، لم تكن مقابلة وعود ولا خطابات طمأنة مجانية، بل حديثا واقعيا يقر بصعوبة المرحلة، ويضع التزامات على حكومته بدل أن يوزع توقعات سهلة، الرجل لم يقل إن الطريق معبّد، بل قال بوضوح إن هناك ما يجب إنجازه، وإن الحكومة ستكون محكومة بالنتائج لا بالنوايا، وهذا بحد ذاته تحول مهم في خطاب السلطة التنفيذية.
من هنا يمكن فهم خطة التحديث الاقتصادي، لا كشعار سياسي، بل كمسار يتطلب تدخلات جراحية تشريعية وإدارية، قد تمس ما اعتدناه من عادي ومستقر، لكنها ضرورية للحفاظ على توازن الدولة، التحديث الحقيقي لا ينجح إذا خضع لإيقاع الأمنيات أو الحسابات الشعبوية، بل إذا انطلق من منطق الواقع، كما هو، لا كما نحب أن نراه.
خذ مثلا مشروع المدينة الجديدة، الذي يُختزل كثيرا في نقاشات عقارية سطحية، بينما جوهره الحقيقي اجتماعي بالدرجة الأولى، نحن أمام مدينتين كبيرتين مثقلتين بالكثافة السكانية والضغط الخدمي، وأي قراءة هادئة تدرك أن إعادة توزيع السكان ليست ترفا، بل ضرورة لضبط التوازن الاجتماعي وتخفيف الاحتقان، تطوير المدينة كحالة استثمارية جاذبة يجب أن يقوم على تخطيط معرفي وحصافة في الإدارة، لا على منطق البيع السريع أو الحلول السهلة.
الأمر نفسه ينطبق على مشروع الناقل الوطني، الذي لا يجوز التعامل معه كمشروع بنية تحتية تقليدي، بل كملف وجودي في بلد يعاني من فقر مائي حاد، هذا المشروع يحتاج إدارة على مستوى الأزمة، من حيث الحوكمة والتشريع والشفافية، لأن المياه ليست خدمة، بل أمن وطني.
وإذا انتقلنا إلى تشريعات مثل الضمان الاجتماعي، فهنا أيضا لا مكان لقواعد الأمس المريحة، ديمومة مدخرات الأردنيين تتطلب تحديثا شجاعا في الإدارة والاستثمار، حتى لو اصطدم بعادات راسخة، الضمان عقد ثقة طويل الأمد، لا صندوق حلول آنية.
الخلاصة أن 2026 سيكون عاما صعبا، نعم، لكن الصعوبة لا تعني الانهيار، ما يحدد الاتجاه هو قدرة الدولة على القيادة بعقل بارد، واتخاذ ما يستقيم مع منطق الواقع، لا مع مزاج اللحظة، ففي عالم يتحرك بهذه السرعة، الثبات ليس استقرارا، بل تراجع، والنضج الحقيقي هو أن نختار التغيير قبل أن يُفرض علينا.
"الغد"