facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




أسباب عدوانية الولايات المتحدة خارجياً


محمد نور الدباس
15-01-2026 02:43 AM

في كل مرة تشهد فيها الولايات المتحدة موجة تضخم أو ارتفاعًا حادًا في الأسعاروكلفة المعيشة، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: هل تُترجم الأزمات الاقتصادية الداخلية إلى سلوك خارجي أكثر عدوانية؟ وهل ما نشهده اليوم من تشدد أمريكي وتغوّل على القانون الدولي هو انعكاس مباشر لضغط الغلاء وأرتفاع الأسعار وازدياد تكلفة المعيشة على الداخل الأمريكي؟.

ونقول أنّ الإجابة الأقرب إلى الواقع ليست بنعمٍ قاطعة ولا بنفيٍ مطلق، بل بفهمٍ أعمق للعلاقة المركّبة بين الاقتصاد والسياسة الخارجية في دولة ترى نفسها مركز النظام الدولي، ونتحدث هنا عن الاقتصاد كعامل مُحفِّز لا كسبب، فمما لا شك فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية تمر بمرحلة ضاغطة اقتصاديًا؛فالتضخم المتكرر، وارتفاع أسعار السكن والطاقة، واتساع الفجوة بين الطبقات، كل هذه العوامل تُضعف الرضا الشعبي وتضغط على النخب الحاكمة، غير أن ربط التغوّل الخارجي مباشرة بغلاء الأسعار تبسيط مُخلّ؛ فالسياسة الأمريكية التدخلية لم تبدأ مع الأزمات الاقتصادية، بل استمرت حتى في ذروة الازدهار، والأدق هو القول إن الضغوط الاقتصادية تُسرّع وتُكثّف سلوكًا قائمًا أصلًا، ولا تُنشئه من العدم.

ومن تلك العوامل أيضاً تصدير الأزمات كخيار سياسي، حين تضيق المساحة الداخلية للمناورة، تميل القوى الكبرى تاريخيًا إلى “تصدير أزماتها” للخارج، وفي الحالة الأمريكية، يأخذ ذلك أشكالًا متعددة، فمنها؛ توسيع نطاق العقوبات الاقتصادية، ومنها إدارة صراعات إقليمية بدل حلّها، ومنها تعزيز الطلب على الصناعات العسكرية والطاقة، فهذه الأدوات لا تُستخدم فقط لتحقيق أهداف استراتيجية، بل أيضًا لإعادة تنشيط قطاعات اقتصادية داخلية وتوحيد الرأي العام خلف “قضية خارجية”.

ومن العوامل كذلك بنية الهيمنة والخوف من التراجع، فالأهم من العامل الاقتصادي هو الخوف البنيوي من تراجع الهيمنة، فصعود الصين، وعودة روسيا للساحة الدولية، وتنامي أدوار إقليمية مستقلة، كلها مؤشرات على عالم أقل خضوعًا للإرادة الأمريكية، وفي مثل هذا السياق، يصبح التشدد وسيلة لتعويض التراجع النسبي، حتى لو جاء ذلك على حساب قواعد القانون الدولي، فهنا، لا يكون الغلاء سببًا، بل ذريعة تُخفّف كلفة القرار السياسي داخليًا.

ومن العوامل التي لها تأثير على التغول الأمريكي خارجياً ما يعرف بالمجمع الصناعي – العسكري (المستفيد الدائم)، حيث لا يمكننا فهم السياسة الخارجية الأمريكية دون التوقف عند نفوذ المجمع الصناعي – العسكري، فالتوترات الدولية والحروب لا تُعدّ عبئًا اقتصاديًا خالصًا، بل سوقًا مفتوحة للسلاح والطاقة وإعادة الإعمار، وكلما زادت الضغوط الداخلية، ازداد الإغراء باللجوء إلى هذا “المحرّك” المجرَّب سابقاً.

ومن هنا فهل هناك علاقة بين الضغوط الاقتصادية والسلوك الخارجي؟ ونجيب على هذا التساؤل بنعم، فالضغوط الاقتصادية الداخلية (التضخم، غلاء المعيشة، اتساع الفجوة الطبقية، تآكل الطبقة الوسطى) تدفع صانعي القرار الأمريكيين إلى تصدير الأزمات للخارج عبر إشعال أو إدارة صراعات خارجية، وعبر فرض عقوبات اقتصادية تُعيد توجيه الأزمات نحو دول أخرى، وعبر تحفيز الاقتصاد عبر الصناعات العسكرية (الحروب والتوترات تخلق طلبًا ضخمًا على السلاح والطاقة)، لكن هذا لا يعني أن الغلاء وحده يفسّر “الانفلات” الأمريكي.

كما أن التغوّل جزء من نمط تاريخي وليس ظرفيًا، فالسياسة الأمريكية الخارجية اتسمت بالتدخل والهيمنة حتى في فترات ازدهار اقتصادي كبير (الخمسينيات، التسعينيات)، وانخفاض التضخم وارتفاع النمو، وهذا يدل على أن التغوّل ليس رد فعل اقتصادي طارئ، بل خيار استراتيجي متجذر.

فما الذي يفسّر السلوك الأمريكي فعلًا؟ ويمكن تصنيف الأسباب الأعمق في مستويات أربعة؛ المستوى الأول هو بنية القوة الإمبراطورية، فالولايات المتحدة ترى نفسها قائدة للنظام الدولي.، فأي تراجع داخلي يُقابل بمحاولة تعويض خارجي عبر القوة والضغط، والمجمع الصناعي – العسكري، فالاقتصاد الأمريكي مرتبط بشدة بالحروب (شركات السلاح، شركات الطاقة، شركات إعادة الإعمار، والتوتر الدولي يُنعش قطاعات كاملة داخل الاقتصاد الأمريكي، والمستوى الثالث هو تراجع الهيمنة وصعود منافسين (صعود الصين وعودة روسيا وتنامي أدوار إقليمية مستقلة)، فهذا التراجع النسبي يدفع واشنطن إلى التشدد، وكسر القواعد الدولية، واستخدام القوة بدل التوافق، أما المستوى الرابع فهو السياسة الداخلية والشرعية، فالأزمات الاقتصادية تُضعف ثقة المواطن الأمريكي بالحكومة، واللجوء إلى “عدو خارجي” أو “معركة قيم”، ويشتت الانتباه، ويعيد تعبئة الرأي العام، فالغلاء ليس سببًا مباشرًا للتغوّل، لكنه يسرّع القرارات العدوانية، ويقلل الحساسية تجاه القانون الدولي، ويجعل استخدام القوة خيارًا أسهل سياسيًا، كما أن هناك سبب الجوهري هو طبيعة الدور الإمبراطوري الأمريكي، والخوف من فقدان السيطرة على النظام الدولي، وليس فقط أسعار الوقود أو سلة الغذاء.

خلاصة القول إنّ غلاء الأسعار وارتفاع تكاليف الحياة في الولايات المتحدة الأمريكية لا يفسّر منفرداَ انفلات السياسة الأمريكية، لكنه يساهم في خفض عتبة استخدام القوة ويجعل القرارات الأحادية أقل كلفة سياسيًا، أما الجذر الحقيقي للتغوّل فيكمن في طبيعة الدور الذي اختارته واشنطن لنفسها، وهو قيادةٌ قسرية لنظام دولي يتغيّر، وخشيةٌ دائمة من عالم لا يدور في فلكها، وفي السياق ذاته، يصبح السؤال الأهم ليس لماذا تتغوّل الولايات المتحدة، بل السؤال هنا إلى متى يستطيع العالم تحمّل كلفة هذا التغوّل في ظل تحولات دولية متسارعة؟.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :