أثار عدم استقبال السفير الأميركي في أحد بيوت العزاء نقاشاً واسعاً، تجاوز الحدث نفسه إلى تحميله دلالات سياسية أكبر مما يحتمل. والحقيقة أن ما جرى لا يتعدى اعتذاراً عن استقبال السفير بعد إبلاغ العائلة بنيته الحضور، دون أن يكون هناك طرد أو مواجهة كما صوّر البعض.
يمكن فهم هذا التصرف كتعبير رمزي عن رفض سياسات الولايات المتحدة، وهو موقف مفهوم في ظل ما تشهده المنطقة من توتر وغضب. غير أن الإشكالية لا تكمن في الموقف ذاته، بل في طريقة التعبير عنه، وفي الخلط بين الرمزية العاطفية والفعل السياسي المحسوب.
الأردن، كدولة، عُرف باتزانه السياسي ووضوح مواقفه، وبإدارته لعلاقاته الدولية بعقلانية تحمي مصالحه دون التفريط بثوابته. المشكلة تظهر حين يُضخَّم تصرف اجتماعي فردي ويُقدَّم وكأنه يعكس موقف الدولة، ما يفتح المجال أمام سوء الفهم ومحاولات الاستغلال أو المزاودة لدى البعض من غير اهل المرحوم .
فالسياسة لا تُدار بردود الفعل، ولا تُقاس بحدّة الرموز، بل بقدرتها على تحقيق أثر متوازن ومستدام. كما أن المناسبات الإنسانية، وعلى رأسها بيوت العزاء، يفترض أن تبقى خارج دائرة التوظيف السياسي المباشر.
من اللافت أن أطرافاً تخوض صراعاً مفتوحاً مع الولايات المتحدة، ولا تُخفي عداءها لها، تجد نفسها أحياناً مضطرة للجلوس والتواصل والتفاوض معها حين تقتضي الضرورة، مدركة أن السياسة ساحة مصالح لا منصة مشاعر و انطلاقاً من فهم واقعي لطبيعة العمل السياسي وتعقيداته ، فالمواقف المبدئية لا تُقاس فقط بحدّة التعبير، بل بقدرتها على الاستمرار والتأثير.
في المقابل، نميل نحن في الأردن – أفراداً وجماعات – إلى التعامل مع السياسة بعاطفة صافية، نُفرغ فيها غضبنا المشروع، لكن دون التفكير في أثر ذلك على صورتنا العامة أو على قدرتنا المستقبلية في إدارة الخلاف و قد نميل أحياناً إلى تحميل المواقف الاجتماعية أكثر مما تحتمل، أو إلى تحويل لحظات إنسانية خالصة إلى رسائل سياسية مباشرة.
العشيرة، بما لها من مكانة واحترام، ليست مطالبة بحمل عبء الصراع السياسي، ولا بتحويل بيوت العزاء إلى ساحات اختبار للمواقف الدولية.
هذا الطرح لا ينتقص من مشاعر الغضب ولا من مشروعية الرفض، لكنه دعوة هادئة للفصل بين التعبير العاطفي المشروع وبين السلوك السياسي المنضبط، حمايةً لصورة الأردن ومكانته، ومنعاً لتحميل المواقف أكثر مما تحتمل، و ربما نحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن نتعلم كيف نختلف بذكاء، وكيف نُعبّر عن مواقفنا دون أن نُقيّد أنفسنا داخل لحظة انفعال عابرة. فالقضايا الكبرى لا تُدار بالعاطفة وحدها، بل بعقل بارد، ونَفَس طويل.