عالم اليوم .. عسكري امريكي مقابل تاجرٍ صيني
حسين بني هاني
15-01-2026 04:47 PM
يُفترض أن لا يصّح هذا العنوان في عالم السياسة ، وهو إن جاز ّ التعبير ، مقارنة ومقابلة غير منصفة ، ولكن ترامب في مناكفته المتواصلة للصين ، جعل منه مقاربة ممكنة ومتوقعة ، بعد أن شاهد الجميع، ميله المحموم لإستخدام القوة بعيدا عن مقتضيات السياسة ، الأمر الذي حوّلها ( أي القوة) من أداة ردعٍ ، إلى نظام إبتزاز ، عاجزٍ عن ابتكار الحلول ، كما هو الحال في قضية غرينلاند . لم يُثر هذا السلوك حفيظة زعماء اوروبا وحسب ، وإنما عقلاء السياسة والمال الأمريكيين ايضا ، اولئك الذين اقلقهم ردود فعل الصين الهادئة ، إذ بات هؤلاء العقلاء ، يخشون أن يأتي صبر بكين على جمر القوة الامريكية المنفلتة من كل عِقال ، على حساب مصالحهم في العالم ، في وقت تحقق فيه بكين مكاسب دون دفع أي ثمن ، أظن أن هؤلاء العقلاء أنفسهم - بعضهم في الكونغرس - هم الذين يحذرون من اللجوء مرة أخرى ، إلى مقامرة عسكرية جديدة غير محسوبة ، للرئيس ترامب في طهران .
تلك بالنسبة لهم ، ستكون حماقة مفترضة ، سيرد عليها ملالي طهران ، بمزيد من القمع للمتظاهرين ، بحجة أنهم عملاء واشنطن وتل أبيب ، وبسط سيطرتهم عليهم مرة أخرى ، عوض القيام بفتح جبهة ثانية مثلاً مع إسرائيل ، جبهة يعرفون مطلقا أنها خاسرة ، في وقت تنفرد فيه بكين ، وتذهب بعيدا في تعزيز نفوذها التجاري الهادئ في العالم . تلك بنظرهم ، حكمة صينية ذكية ، تقوم على مبدأ إغتنام الفرص ، وتعكس إن وقعت المنازلة ، فهمهم العميق لسلوك الرئيس الأمريكي ، الذي وعد ناخبيه وخذلهم ، بأنه الزعيم الذي سينهي الحروب في العالم ، وإذ به يشعلها في غير مكان ، بحجة تقليص نفوذ بكين في المنطقة .
تعرف الصين أن دول حلف الأطلسي الاوروبية ، قد ضاقت ذرعا بسلوك ترامب ، ولكنها عاجزة عن ثنيه في مغامرته الجديدة ، خاصة عزمه إحتلال غرينلاند عنوة ، وتعرف أيضا بموجب هذا ، أن تحالفهم مع واشنطن ، بات على ألمحك ، ومعرّضٌ لتحولات سلبية عميقة ، حذّر منها بعض ساسة أوروبا ، بعد أن رأوا فيها علامات ، على حدوث ندوب وتقلبات تاريخيّة على ضفّتي الاطلسي ، غدت الثوابت السياسية الأوروبيّة بموجبها ، في موضع شك . هذه وحدها غنيمة ثمينة بالنسبة للصين ، ومفارقة كبيرة بنظر الاوروبيين ، بعد أن تبيّن لهم ، أن لدى ترامب على جدول مناكفته للصين ، خلطة سياسية غريبة ومستجدة معظمها عسكري ، واكتشفوا أن المساحة التي أخذ يستثمر بها ترامب ، مساحة محفوفة بالمخاطر ، وحافلة بالفوضى ، وتنذر بعواقب وخيمة ، ليس على الشرق الأوسط فحسب ، وإنما على ضفتي الأطلسي أيضاً .
تلك هي الصين الحكيمة ، التي وثّقت وعمّقت عقد الزواج بين التجارة والسياسة ، وجعلت منهما حليفين ثابتين ، لا ينفرط عقدهما مهما كلّف الأمر ، وهما بالذات ما جعلا ترامب يضيق ذرعاً بالصين ، ويقلقه صمتها الحذر ، عشية إنتظارها المنازلة الكبرى ، بين واشنطن وطهران ، وهي تحسب حجم الكُلَف التي ستهزّ المنطقة ، لتحقيق مكاسب تكتيكية ، تعزز نفوذها الاقتصادي ، عوض مناكفة واشنطن في عُقر أخطائها العسكرية ، حتى لو أدت تلك الأخطاء لتغيير النظام في طهران .