facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




والله عيب ..


د. صالح سليم الحموري
16-01-2026 11:39 AM

وصلت الأردن، وشفت إعلان “عيب”. ما احتجت أكثر من ثانية. الأحمر كان صارخًا… كأنه ضوء فرامل في عقلي. كلمة واحدة كبيرة: "عيب… " بعدها سكتة مقصودة بثلاث نقاط؛ كأن الإعلان ما بده يشرح، بده يحاكم. ثم تأتي الجملة التي لا تترك مساحة للمجاملة: “الشارع مش سلة زبالة.”

في عالم البصائر السلوكية هذه التفاصيل ليست مجرد تصميم. الأحمر يعني: انتبه. و”عيب” تعني: هذا مرفوض اجتماعيًا. والجملة القصيرة باللهجة المحلية تجعل الرسالة سهلة الهضم—لا تحتاج شرحًا ولا جهدًا. بهذا المعنى، حملة “عيب” ربحت أول معركة لأي تدخل سلوكي: أن تجعل الناس ترى وتنتبه.

لكن وأنا أتأمل الإعلان أكثر، وقعت عيني على الجزء الذي قد لا ينتبه له كثيرون: كومة القمامة نفسها في أسفل الصورة. أكواب، علب، قوارير… القمامة “حاضرة” بقوة. وهنا تسلل سؤال سلوكي بسيط:
هل نحن نُصدم الناس من القمامة… أم نُخبرهم دون قصد أن القمامة صارت مشهدًا معتادًا؟

جزء من المشكلة ليس فقط “ماذا نقول”، بل “ما الذي نُطبّعه بصريًا”. عندما يرى المواطن القمامة في كل مكان -حتى في الإعلان- قد يلتقط دماغه رسالة ضمنية: “هذا منتشر.” ومع الانتشار، يقل الاستغراب، ويصبح السلوك أقرب للتكرار. لهذا تميل حملات سلوكية كثيرة حول العالم إلى إظهار النظافة كقاعدة لا القذارة كأيقونة.

ثم يأتي الجزء الأهم: الإعلان يوبّخ… لكنه لا يُنقذ لحظة القرار.
أنا أفهم منطق “الصدمة”، وأحيانًا نحتاج كلمة قوية تهزّ الأعصاب. لكن التغيير السلوكي لا يثبت عندما نخجل فقط؛ يثبت عندما يصبح الصحيح أسهل من الخطأ.
الذي يرمي من السيارة… ماذا يفعل إذا لم تكن هناك حاوية قريبة؟
والذي يمشي في منطقة لا تحتوي بنية تحتية كافية… أين يضع نفاياته؟

هنا تتداخل ثلاثة عوامل: السلوك، والبنية التحتية، وتطبيق القانون .وإلا ستبقى الرسالة أخلاقية، بينما الواقع عملي.

وبلغة البصائر السلوكية: الإعلان قوي في جانب المعتقد (هذا خطأ وعيب)، لكنه ضعيف في جانب الاختيار (أين البديل الأسهل؟) وضعيف في جانب القرار (كيف نجعل القرار الصحيح يحدث الآن، لا لاحقًا؟).

ثم هناك سؤال الناس الذي لا يُقال بصوت عالٍ، لكنه حاضر دائمًا: هل ستُطبق القوانين على الجميع؟ هل الرقابة عادلة ومتسقة؟
الحملات التي تعتمد على العيب واللوم تتحول بسرعة إلى “ضجيج” إذا لم يرَ الناس اتساقًا في التنفيذ. الناس لا تختبر نوايا الدولة بقدر ما تختبر ثباتها: من يُخالف يُحاسب، ومن يلتزم يُكافأ ولو اجتماعيًا.

لهذا أرى أن حملة “عيب” خطوة مهمة… لكنها غير مكتملة. هي مثل صفارة إنذار عالية في بيت لا توجد فيه طفاية.

لكي تتحول من رسالة توبيخ إلى منظومة تغيير، نحتاج إلى:
• الرسالة: نعم، اجعلوا السلوك غير مقبول اجتماعيًا.
• البديل اللحظي: كيس صغير في السيارة، حاوية ظاهرة، تذكير في الوقت والمكان المناسب.
• البنية التحتية: توزيع حاويات ونقاط فرز حيث يحدث السلوك فعلًا (الطرق، الاستراحات، المناطق السياحية).
• الإنفاذ العادل: رقابة متسقة تجعل العقوبة محتملة وليست “نظرية”.
• والأهم: قياس ونشر نتائج… حتى يشعر الناس أن جهودهم تُترجم إلى تحسن حقيقي.

في النهاية، “والله عيب” ليست فقط كلمة على بوستر. هي امتحان لذكاء الحملة:
هل ستكتفي بأن تُشعرنا بالذنب… أم ستُسهّل علينا أن نتصرف بشكل أفضل؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :