سردية الجلجال (الدوائر الحجرية في البادية الأردنية)
د. أحمد عويدي العبادي
03-03-2026 10:24 AM
هو مفهوم ثمودي أردني يعي الملاذ الآمن
لم يكن الأمن ومفهومه في الأردن القديم حالةً عارضة، ولا طارئًا فرضته المصادفات، بل كان فكرةً عميقةً تشكّلت كعقيدة ضرورية في الوعي الحضاري لأهل هذه الأرض منذ أقدم العصور. فالأردن لم يكن يومًا هامشًا جغرافيًا، بل كان عقدة الطرق الكبرى، وملتقى القوافل، وجسر العبور بين المشرق والمغرب، وبين جنوب الجزيرة العربية وشمالها، وبين الشرق الأقصى وحوض البحر الأبيض المتوسط. وشمال افريقيا.
كانت القوافل تنطلق من الصين والهند وبلاد سيام (تايلاند الحالية) وجنوب شرق آسيا، من بروناي إلى إندونيسيا إلى ماليزيا، حاملة الحرير والتوابل والعطور والبخور والاحجار الكريمة وما غلا ثمنه وخف وزنه، لتصل إلى جنوب الجزيرة العربية، ثم تصعد شمالًا عبر البوادي الأردنية، وتصل أيضا الى الجوف شمال جزيرة العرب، حيث يتقاطع طريق الحرير بطريق البخور فوق الأرض الأردنية، قبل أن تتجه غربًا إلى مصر، أو شمالًا إلى بلاد الشام، ومنها إلى مرافئ البحر الأبيض المتوسط وأوروبا القديمة.
وفي هذا القلب الجغرافي المتحرك، وهو الأردن ارضا وقبائل اشادت الممالك، كان لا بد من ابتكار مفهوم يحفظ الحياة، ويصون المال، ويؤمّن العبور.
وهنا تبلور مفهوم الجلجال، أي الملاذ الامن المعترف به من الأردنيين اهل البلاد والوافدين والعابرين.
الجلجال ليس مجرد دائرة حجرية كما نراها في الصور، ولا أثرًا معماريًا غامضًا، بل هو مفهوم أمني ثمودي أردني أصيل، يعكس وعيًا متقدمًا بمعنى الامن والحماية والملاذ الامن. فالاسم (الجلجال) ذاته يوحي بالهيبة والجلال؛ مكانٌ تحيطه رهبةٌ مقدسة، فيُهاب انتهاكه، ويُحرَّم الاعتداء داخله. وقد أُحيطت هذه المواضع بدوائر من حجارة المكان، معترفا بها ومُتعارفا عليها، لا بوصفها سورًا عسكريًا، بل رمزًا تشريعيًا وأخلاقيًا يعلن: من دخل هنا فهو آمن.
كانت هذه الدوائر الحجرية تقوم على ثلاث ضمانات كبرى:
أولًا: ضمان الملاذ الآمن. / فمن دخل الجلجال حُرّم التعرض له أو لما معه، أيًّا كان انتماؤه أو عقيدته أو قبيلته او عِرْقه. لا يُسأل عن ثأر، ولا يُطارد بخصومة، ولا يُعاقَب على ماضٍ خارج حدوده ولا خصومة.
ثانيًا: ضمان الحياة. / حياة الإنسان مصونة صونًا مطلقًا؛ فلا يُسمح بالاعتداء عليه، ولا يُقبل فيه انتقام، حتى لو التقى قاتل أبيه في داخله. تتوقف دوائر الثأر عند حدّ الجلجال، ويُعلّق منطق الدم أمام منطق القداسة.
ثالثًا: ضمان حق الحياة. / أي حماية وسيلة العيش نفسها: الركائب، القوافل، الدواب، البضائع، أدوات السفر الالهة المحمولة (الاصنام) مع الداخلين. فالحياة لا تُفهم مجرد وجود جسدي، بل شبكة أسبابها ومقوماتها. لذلك يُحرَّم النهب والسلب والسرقة والظلم والغش والتعدي، كما يُمنع منع العابر من ممارسة عبادته الخاصة أياً كانت. ويصبح الجلجال نمطا للطهر الأخلاقي.
ولم يكن الأمان مقتصرًا على لحظة الإقامة داخل الدائرة، بل كان يشمل القدوم إليها والمغادرة منها، بحيث يظل العابر في نطاق الحماية وهو في طريقه إليها أو منصرفٌ عنها. وهكذا أصبحت الطرق في الأردن تُسلك ليالي وأيامًا آمنين سالمين، في صورة حضارية تجسدها الآية القرآنية الكريمة:
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ (سبأ: 18). والقرى هنا هي قرى الأردن المشار اليها في المراجع قرى الشام والأردن جزء من الشام
إن هذه السنّة القرآنية في تقدير السير الآمن بين القرى المباركة تعكس فلسفة الجلجال في بعدها الاجتماعي: تحويل الجغرافيا إلى عقد أمان، وتحويل الطريق إلى مساحة ثقة، وتحويل الانسان الأردني الى صديق وثيق للجميع وتحويل الجميع الى أصدقاء للأردنيين
كما تذكر النصوص التوراتية أن بني إسرائيل، بعد عبورهم نهر الأردن متجهين نحو أرض كنعان، أقاموا في موضع يُسمّى الجلجال شرقي أريحا، وجعلوه أول محطة استقرار لهم عقب العبور. فقد ورد في سفر يشوع: "ونزل الشعب من الأردن في اليوم العاشر من الشهر الأول، وحلّوا في الجلجال في تخم أريحا الشرقي» (يشوع 4: 19)، كما جاء: «وأقام يشوع في ذلك اليوم اثنتي عشرة حجراً في الجلجال» (يشوع 4: 20)، في إشارة إلى إقامة نصب حجري تذكاري ارتبط بعبور النهر.
إن حضور الجلجال في هذا السياق لا يظهر بوصفه موضعًا جغرافيًا عابرًا فحسب، بل كمكانٍ ذي رمزية وهيبة، اتُّخذ نقطة انطلاق وبداية طور جديد في تاريخ الجماعة. وإقامة الحجارة فيه توحي بقداسةٍ مخصوصة، وبوعيٍ بأن المكان يتمتع بحرمةٍ تحول دون الاعتداء، الأمر الذي يتقاطع مع المفهوم الأردني الأقدم للجلجال بوصفه دائرة أمان وملاذًا محميًا.
وبذلك يتضح أن فكرة الجلجال لم تكن إطارًا محليًا محدودًا في البوادي الأردنية، بل كانت معروفة في الوعي الإقليمي الأوسع، ومعتبرة في الثقافة الدينية والتاريخية المحيطة، بما يؤكد أن دوائر الأمان الحجرية لم تكن مجرد آثار صامتة، بل تعبيرًا عن نظام قيمي تشاركته الجماعات العابرة لهذه الجغرافيا، وأدركت فيه معنى الهيبة والحماية وحرمة الدم.
ولعل من الدلالات اللغوية المستنبطة لاسم "الأردن" معاني الأمن والطمأنينة والقوة والشدة والغلبة؛ وكأن الاسم ذاته يحمل في طياته وظيفة الأرض ورسالتها. فالأمن هنا ليس ضعفًا، بل نتاج هيبة وقوة تفرض احترامها.
وبقيت دوائر الجلجال، عبر آلاف السنين، تتميز بقدسية المكان، وحاضرة في الذاكرة الوطنية والوجدان الشعبي. لم تُمسّ بسوء، ولم تُنتهك حرمتها، بل ظلت القبائل الأردنية عبر الاف السنين، تلجأ إليها طلبًا للأمان. إن القداسة التي أُحيطت بها لم تكن أسطورة، بل نظامًا أخلاقيًا متوارثًا، تَشَكَّل فيما يمكن تسميته بالجينات الثقافية للأردنيين.
وفي العصر الأموي، تطور المفهوم دون أن ينقطع أصله؛ إذ حُوِّل كثير من مواضع الجلجال إلى قصور صحراوية عُرفت باسم الحائر، فاستُخدمت للراحة، والصيد، واستقبال القبائل والوفود، وإعلان البيعة للخلفاء، والاحتفال بالمناسبات الدينية. كانت هذه القصور امتدادًا لفكرة الملاذ الآمن، تخفف عناء السفر إلى دمشق، وتحفظ للقبائل كرامتها ومكانتها ضمن فضاءٍ آمن.
وقد كانت الأردن، ولا سيما في مملكة بيريا الأردنية وعاصمتها السلط، غنيةً بهذه الملاذات الآمنة. من بينها مواضع ارتبطت بالذاكرة الدينية، مثل المغطس في (بيت عنيا) و (تليلات الغسول) و(بيت عبرا) في منطقة دامية الحالية كنقطة عبور للنهر علة الضفة الشرقية لمجرى النهر، وموضع ضريح النبي شعيب عليه السلام، وضريح النبي يوشع. هذه المواقع لم تكن مجرد أمكنة عبادة، بل كانت – في جوهرها – فضاءات أمان (جلجال) تحمي الإنسان وحقه في الحياة والعبور.
وهكذا يتضح أن الجلجال ليس لغزًا أثريًا اسمه "الدوائر الحجرية"، بل هو نظام أمني حضاري اردني صنعته وصاغته القبائل الأردنية العريقة، وهو نظام سابق لعصره، نشأ من حاجة جغرافية واجتماعية وحياتية، وترسّخ في الضمير الاجتماعي، وامتد في الذاكرة الدينية والتاريخية عند الأردنيين عبر الاف السنين .
إنه تعبير عن وعيٍ أردني قديم بأن الاستقرار لا يُصنع بالسلاح وحده، بل بإبداع مفهوم يحرم العدوان، ويقدّس الحياة، ويجعل من الطريق وعدًا بالأمان. وهذا من أسباب تجذر القبائل الأردنية في الأردن عبر الاف السنين لانهم ابتدعوا نمطا من مقومات الحياة والامن والأمان لضمان حقهم في الحياة، كما ان القرى الأردنية الاثرية بنيت في دوائر الملاذات المنة عبر الجغرافيا الأردنية ولم ينتهكوا حرمتها وانما تم انتهاكها من قبل القوى الغازية والاحتلالية.
إذا أردنا أن نمنح مفهوم الجلجال عمقه الحقيقي داخل النظرية، فعلينا أن ننتقل به من كونه توصيفًا أثريًا لدوائر حجرية، إلى كونه بنيةً لغوية-حضارية تعبّر عن وعيٍ أردني قديم بفلسفة الحماية وضبط المجال العام.
من الناحية اللغوية، يقوم لفظ الجلجال على جذرٍ صوتي تتكرر فيه بنية التضعيف (جل-جل)، وهي صيغة في العربية واللغات السامية القديمة توحي بالقوة والارتداد والهيبة الصوتية. إن التكرار في البنية لا يؤدي وظيفة موسيقية فحسب، بل يضخم المعنى ويمنحه طابع الجلال والرهبة. ومن هنا يتقاطع الجلجال دلاليًا مع مفهوم الجلال؛ أي العظمة المهيبة التي تُحاط بالتوقير وتمنع الانتهاك. فالمكان الذي يُسمّى جلجالًا ليس مكانًا عاديًا، بل موضعٌ يُجلُّ، أي يُعظَّم، ويُحاط بحرمةٍ تُسقط عنه منطق العدوان.
وإذا قرأنا النقوش الثمودية في سياقها الصحراوي، وجدنا أن اللغة هناك ليست زخرفًا بل أداة تنظيم اجتماعي. فالمفاهيم التي تُنقش على الحجر تُراد لها الديمومة والاستمرارية. وعليه فإن إطلاق مسمّى الجلجال على دوائر حجرية بعينها يعكس قصديةً تشريعية؛ أي تثبيت حالة قداسة دائمة للمكان، تتجاوز الأفراد إلى الجماعة، وتتجاوز اللحظة إلى التاريخ. إن الحجر هنا ليس بناءً دفاعيًا، بل نصًّا قانونيًا صامتًا.
ومن هذا المنظور يمكن ربط الجلجال بمنهج علم الاجتماع القرآني بوصفه نموذجًا مبكرًا لتنظيم المجال العام وضبط العنف. فالقرآن الكريم يؤسس لمفهوم تحييد العنف داخل فضاءات مخصوصة، كما في تحريم القتال في الأشهر الحرم، أو في الحرم المكي، حيث تُعطَّل آليات الثأر ويُعلَّق منطق القوة لصالح منطق القداسة. والجلجال، في صورته الثمودية الأردنية، يمثل تجسيدًا سابقًا لهذا المبدأ: دائرةٌ تُرفع فيها يد الاعتداء، وتُحمى فيها الحياة، ويُعاد تعريف العلاقة بين الخصوم ضمن إطارٍ أعلى من العصبية القبلية.
إنه انتقال من منطق “القوة الغالبة” إلى منطق “القوة الضابطة”.
ومن فوضى البادية إلى انتظام الطريق.
ومن الثأر الفردي إلى الحصانة الجمعية.
ولهذا يمكن تقديم الجلجال بوصفه نموذجًا أردنيًا مبكرًا لما يمكن تسميته:
«نظام الحصانة الاجتماعية في المجتمعات العابرة للقوافل».
والمقصود بذلك نظامٌ عرفي-حضاري يمنح حصانة مؤقتة ومكانية للعابرين، يضمن سلامة الإنسان وحقه في الحياة، وسلامة وسيلة عيشه من ركائب وبضائع، ويكفل حرية ممارسته لشعائره، ويُعطّل آليات الانتقام والثأر داخل نطاق محدد. هذه الحصانة ليست فردية، بل جماعية؛ وليست تعاقدًا مكتوبًا، بل ميثاقًا ثقافيًا راسخًا في الوعي الجمعي.
وبذلك يصبح الجلجال أكثر من أثرٍ معماري؛ إنه مؤسسة اجتماعية غير مركزية، تنشأ من حاجة الطريق، وتخدم اقتصاد القوافل، وتحفظ السلم الأهلي في بيئةٍ مفتوحة لا تعرف الحدود السياسية الصارمة. إنه ابتكار أردني أصيل لتنظيم الحركة التجارية العابرة للقارات، وضبط العنف في مجتمع قبلي، وصناعة الثقة في فضاءٍ صحراوي واسع.
وعندما نقرأه في ضوء هذا التحليل، ندرك أن الجلجال لم يكن مجرد دائرة من حجارة، بل دائرة من المعنى؛ لم يكن سورًا يحمي المكان، بل فكرةً تحمي الإنسان؛ ولم يكن أثرًا من الماضي، بل شاهدًا على وعيٍ حضاري أدرك أن الأمن لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُصاغ في صورة قداسة تُهاب، وميثاقٍ يُحترم، وضميرٍ جماعيٍّ لا يسمح بانتهاكه. وهنا تتكامل اللغة مع الاجتماع، ويتعانق الحجر مع التشريع، وتغدو الصحراء نفسها مدرسةً في صناعة النظام.
وبذلك نكون – بعون الله – قد استطعنا حل معضلة الجلجال، لا بوصفه حجرًا صامتًا، بل بوصفه فكرة حيّة صنعت السلام في قلب الصحراء. والله ولي التوفيق. وهو يهدي السبيل