facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




اقتصاديات رمضان .. الأرقام والضمائر


هاني الدباس
24-02-2026 12:21 PM

الاقتصاد ليس حركة تبادل سلع فقط، بل هو علاقة تستند إلى الوعي. وهو انعكاس لطبيعة الإنسان حين يواجه الحاجة، وحدود الرغبة، ومعنى الكفاية.

في رمضان، لا يتغير عدد السكان، ولا تقفز الرواتب بشكل استثنائي ، ولا يتبدل حجم الاستهلاك السنوي. ومع ذلك، يتبدل الإيقاع ، تتفتح قريحة الرغبات، ويتسارع الشراء، ويعلو الطلب فوق مستواه المعتاد، وكأن الزمن نفسه انكمش فصار عاماً مكثفاً في ثلاثين يوماً.

ما يحدث اقتصادياً ليس نقصاً بقدر ما هو إعادة تموضع للطلب. فنحن لا نستهلك أكثر بالضرورة، بل نستهلك أسرع وكأننا نضغط الزمن، فنضغط السوق. فينشأ اختلال مؤقت بين العرض المتدرج بطبيعته، والطلب المتسارع بدافعه النفسي، هنا تتحرك الأسعار، ليس لأن الكميات اختفت، بل لأن الإيقاع اختل.

غير أن المسألة أعمق من معادلة رياضية، فالسوق كيان أخلاقي بقدر ما هو كيان اقتصادي فكل سعر يُكتب هو قرار، وكل قرار يحمل خلفه تصوراً عن العدالة والربح والحدود.

في بعض المواسم، يتكشف الفارق بين من يرى في التجارة مسؤولية اجتماعية، ومن يختزلها في فرصة ظرفية لتعظيم الهامش، فالربح في ذاته ليس إشكالاً هو روح النشاط الاقتصادي، لكن حين ينفصل عن الضمير يتحول إلى أداة ضغط على الأضعف.

أزمة الأخلاق لا تظهر في لحظة الرخاء، بل في لحظات الحاجة. حين يعلم بعض القادرين أن الطلب عاطفي، وأن الخوف يدفع الناس إلى التخزين ، فترتفع الأسعار استناداً إلى هشاشة اللحظة لا إلى الكلفة الحقيقية.

هنا يصبح السوق مرآة لاختلال أعمق في الوعي الجمعي، حيث تتحول المناسبة الروحية إلى ذروة استهلاكية.

في المقابل، يتحمل المستهلك أيضاً نصيبه من المعادلة، فالإسراف ليس فقط فعلاً فردياً، بل قوة تضخم وتبالغ ، فكل شراء يتجاوز الحاجة هو رسالة للسوق بأن الطلب مستعد لدفع المزيد. وهكذا ندور في حلقة تتغذى من نفسها، خوف يخلق طلباً، وطلب يبرر سعراً، وسعر يعمق الخوف.

رمضان، في جوهره، دعوة إلى ضبط النفس قبل ضبط السوق. إلى إعادة تعريف الكفاية، وإعادة الاعتبار لمعنى الاعتدال. فإذا كان الاقتصاد علماً للتوازن، فإن الأخلاق هي شرط هذا التوازن. وعندما يختل الشرط، يتضخم الرقم.

السوق لا يملك ضميراً مستقلاً، ضميره هو مجموع ضمائرنا ورغباتنا وسلوكنا الاستهلاكي ، فإن ارتفعت القيم، استقرت الأسعار. وإن تقدمت الأنانية، اهتز التوازن.

وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي ليس لماذا ارتفعت الأسعار، بل لماذا ارتفعت الرغبات فوق الحاجة، ولماذا غاب الضابط الداخلي حين حضر الموسم الروحي بأسمى معانيه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :