facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الكتابة في عصر الفوضى بين العبث والمسؤولية


أ. د. هاني الضمور
03-03-2026 11:53 AM

في زمن تتكاثر فيه الوقائع بقدر ما تتكاثر الروايات، وتختلط فيه الحقيقة بالتحليل، والمعلومة بالتأويل، يبرز سؤالٌ يطرق أبواب الضمير قبل العقل: هل أصبحت الكتابة في عصر الفوضى عبثًا؟ أم أن الصمت هو الخيانة بعينها؟ ليست هذه عبارة إنشائية عابرة، بل معادلة أخلاقية تختبر موقف كل صاحب قلم في زمنٍ تتنازع فيه الأصوات والاتجاهات.

قد يبدو للوهلة الأولى أن الكتابة فقدت قدرتها على التأثير. ففيض المحتوى اليومي يبتلع المقالات كما تبتلع الأمواج رسائل تُلقى في البحر. تتكرر الخطابات، ويعلو الصخب، وتضيع المعاني في زحمة العناوين العاجلة. في مثل هذا المناخ، قد يشعر الكاتب أن كلمته لن تغيّر شيئًا، وأن جهده لن يتجاوز حدود القراءة العابرة. غير أن التاريخ يُظهر لنا أن الكلمة لم تكن يومًا وليدة الهدوء، بل ابنة الأزمات. كتب مفكرون كبار في أزمنة مضطربة لأنهم أدركوا أن الفوضى لا تُواجه بالصمت، بل بتثبيت المعنى، وأن اللغة حين تُشوَّه تصبح استعادتها فعل مقاومة.

غير أن الصمت، من جانبه، ليس دائمًا علامة حكمة كما قد يُظن. قد يكون أحيانًا ملاذًا مؤقتًا لتجنب الانفعال، لكنه حين يتحول إلى موقف دائم أمام الظلم أو التضليل، يغدو انحيازًا صامتًا إلى ميزانٍ مختل. إن ترك المجال للأصوات المتطرفة أو السرديات المشوهة دون مساءلة يفتح الطريق أمام تكريسها بوصفها حقيقة لا تُناقش. وهنا تتجلى خطورة الصمت، لأنه لا يُحدث ضجيجًا، لكنه يترك أثرًا عميقًا في الوعي العام.

وعند إسقاط هذه المعادلة على واقع أمتنا اليوم، تتضح الصورة أكثر. تعيش مجتمعاتنا حالة من التوتر المتراكم، تتداخل فيها الأزمات السياسية مع الضغوط الاقتصادية، وتتقاطع فيها الانقسامات الفكرية مع تحولات اجتماعية سريعة. في هذا المناخ، يصبح الخطاب العام ساحة صراع مفتوحة، وتتحول الكلمات إلى أدوات تعبئة أو تخوين، بدل أن تكون جسور فهم وتفكير. لسنا أمام أزمة تعبير بقدر ما نحن أمام أزمة وعي، وأزمة ثقة، وأزمة قدرة على إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى قطيعة.

إن الكتابة المسؤولة في مثل هذا السياق لا تعني الاصطفاف الأعمى، ولا تعني ادعاء الحياد الزائف، بل تعني الانحياز للقيم الجامعة التي تحفظ كرامة الإنسان وتصون وحدة المجتمع. هي كتابة تبحث عن الحقيقة ولو كانت مُرّة، وتنتقد دون أن تُهين، وتختلف دون أن تُقصي. هي كتابة تدرك أن الكلمة قد تُشعل نارًا، لكنها تستطيع أيضًا أن تُطفئها.

ليست القضية إذًا في كثرة الكلام أو قلته، بل في نوعيته وأثره. فالكتابة التي تُعيد إنتاج خطاب الكراهية ليست إلا امتدادًا للفوضى، أما الكتابة التي تُضيء زاوية معتمة أو تطرح سؤالًا صادقًا أو تكشف خللًا بنية الإصلاح، فهي مساهمة في بناء وعيٍ أكثر نضجًا. قد لا تُغيّر مقالٌ واحد واقعًا معقدًا، لكن تراكم الكلمة الصادقة يصنع تيارًا لا يُستهان به.

في نهاية المطاف، تظل الكلمة أمانة. قد تبدو ضعيفة أمام صخب المصالح وتوازنات القوة، لكنها تمتلك قدرة ناعمة على تشكيل العقول وصياغة الذاكرة الجماعية. وإذا كان عصرنا موسومًا بالفوضى، فإن مسؤولية الكتابة فيه تتضاعف لا تتضاءل. أما الصمت، فربما يصلح لحظة تأمل، لكنه لا يصلح أن يكون خيار أمة تبحث عن طريقها وسط العواصف.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :