أنا لستُ خبيرًا في السياسة، ولا أدّعي فهم خفاياها وتعقيداتها، لكنني اتكلم بمنطق بعيد عن العاطفة، ومؤمنٌ أن حبّ الأوطان لا يحتاج دائمًا إلى ألقابٍ أكاديمية بقدر ما يحتاج إلى ضميرٍ يقظ. ومن هذا الحب أكتب، لا لأعاتب، بل لأنصح، ولا لأُزايد، بل لأذكّر.
لقد علّمنا التاريخ دروسًا قاسية. حين وقف ياسر عرفات في لحظةٍ مفصلية إلى جانب صدام حسين بعد غزو الكويت، دفع الفلسطينيون أثمانًا باهظة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وما زالت آثار تلك اللحظة حاضرة في ذاكرة الشعوب. لم يكن الخطأ في الموقف وحده، بل في الاصطفاف مع محتلّ ضدّ محتلّ، وكأنّ القضية التي تقوم على رفض الاحتلال يمكن أن تبرّر دعم احتلالٍ آخر. تلك معادلة لا تستقيم أخلاقيًا ولا سياسيًا.
اليوم تتكرّر لحظات الالتباس. تقف المنطقة على حافة توتراتٍ خطيرة، وتحاول إيران توسيع دوائر الصراع بما يخدم حساباتها الاستراتيجية. قد يظهر دعمٌ هنا أو خطابٌ هناك، لكن الدول — أيًّا كانت — لا تتحرّك بدافع العاطفة، بل وفق مصالحها. والدعم الذي يُمنح اليوم قد يُسحب غدًا إذا تغيّرت المصلحة.
لا يمكن لمن يسعى إلى تحرير أرضه من احتلال أن يُحسب على محورٍ يسعى إلى توسيع نفوذه بالقوة. ولا يمكن لقضية عادلة أن تقف في خندق دولةٍ تُدخِل المنطقة في حروبٍ مفتوحة. إن منطق “عدوّ عدوي صديقي” أثبت عبر التاريخ أنه منطقٌ قصير النفس، طويل الخسائر.
في المقابل، لا يجوز تجاهل ما قدّمته دولٌ عربية من دعم سياسي واقتصادي وإنساني للقضية، مثل السعودية والكويت ودول الخليج والأردن. قد نختلف مع سياسات، وقد ننتقد مواقف، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هذه الدول لم تكن يومًا في موقع الساعي لابتلاع القضية أو استخدامها ساحة صراع بالوكالة.
اليوم، يقف الأردن — الذي يعيش فيه الفلسطينيين ويحمل كثيرون جنسيته — أمام تحديات وضغوط، بعضها يتصل بأمنه واستقراره، بل حتى بأمنه الغذائي. فكيف يستقيم أن يكون جزء من هذا النسيج الوطني في موقع من يبرّر تهديدًا يطال البلد الذي يحتضنه؟
هذه الرسالة ليست تعميمًا، ولا اتهامًا لكل الفلسطينيين، فالأغلبية تدرك حساسية اللحظة وتعقيداتها. لكنها موجّهة إلى تلك الفئة التي ترى في الاصطفاف مع إيران موقفًا مبدئيًا. أقول لهم بمحبة: لا تكرّروا أخطاء الماضي. فحين تنتهي الحروب، تعيد الدول حساباتها، وقد تجد القضية نفسها معزولة أكثر، وتجد موجات التطبيع تتسارع حين يُنظر إليها كجزء من محورٍ إقليمي لا كقضية تحرّر وطني جامعة.
القضية الفلسطينية كانت، وما زالت، أكبر من أن تُختزل في تحالف عابر، وأسمى من أن تُستخدم ورقة في صراع إقليمي. قوتها في عدالتها، في استقلال قرارها، وفي بقائها فوق المحاور.
هذه ليست رسالة تخوين، بل رسالة خوفٍ محبّ. فالتاريخ لا يرحم من لا يتعلّم، والسياسة لا تعترف بالنوايا الطيبة وحدها.
فلنحفظ القضية من أن تُستدرج إلى خنادق لا تشبهها، ولنُبقِ بوصلتها نحو حريتها فقط، لا نحو حروب الآخرين.