(قراءة مصرفية واقعية في زمن اضطراب الأسواق)
لم يَعُدِ الاقتصادُ العالميّ يتحرّكُ وفقَ منطقِ الأسواقِ وحدها، بل باتَ خاضعًا بشكلٍ مباشرٍ للتوتّراتِ السياسيةِ والصراعاتِ الجيوسياسية، فالصراعُ الأميركيّ الصينيّ تجاوز كونه خلافًا تجاريًا، ليصبح سباقَ نفوذٍ على التكنولوجيا وسلاسلِ الإمدادِ والعملات، فيما تُبقي الأزمةُ الأميركيةُ مع إيران، وما يرافقها من تلويحٍ متكرّرٍ بالحلّ العسكريّ، أسواقَ الطاقةِ في حالةِ ترقّبٍ دائم، وحتى الملفاتُ غيرُ التقليدية، كإعادةِ طرحِ مسألةِ جزيرةِ غرينلاند، تعكس بوضوحٍ سباقَ السيطرةِ على المواردِ والجغرافيا في عالمٍ يُعادُ تشكيلُه.
في هذا المشهدِ المضطرب، يحافظُ الدولارُ الأميركيّ على قوّتِه بوصفِه ملاذًا اضطراريًا، مدعومًا بارتفاعِ أسعارِ الفائدةِ وهروبِ رؤوسِ الأموالِ من المخاطر، لا بقوّةٍ اقتصاديةٍ صلبةٍ بقدرِ ما هو انعكاسٌ لغيابِ بدائلَ جاهزة، وفي المقابل، يواصلُ الذهبُ صعودَه كمؤشّرٍ على القلقِ العالميّ، بينما يتحرّكُ النفطُ تحتَ تأثيرِ السياسةِ أكثرَ من أساسياتِ العرضِ والطلب، ما يجعلُ أسعارَ الطاقةِ رهينةً للتصريحاتِ بقدرِ ما هي رهينةٌ للإنتاج.
إقليميًا، تتفاوتُ الانعكاساتُ بوضوح، فالدولُ النفطيةُ تستفيدُ ماليًا من تقلّباتِ السوق، لكنها تواجهُ تحدّيًا حقيقيًا في تحويلِ هذه المكاسبِ إلى تنميةٍ مستدامة، أمّا الدولُ غيرُ النفطية، فتواجهُ تضخّمًا مستوردًا وضغوطًا تمويليةً متزايدة، وفي الحالةِ الأردنية، يبرزُ تأثيرُ كُلفةِ الطاقةِ وتشديدِ الأوضاعِ النقدية، إلّا أنّ متانةَ القطاعِ المصرفيّ وربطَ الدينارِ بالدولار يوفّران عنصرَ استقرارٍ مهم، رغم أنّ التحدّيَ الأكبرَ يبقى في تحفيزِ النموّ دون الإخلالِ بالتوازنِ الماليّ والنقديّ.
ونتيجة لكل ذلك ،أرى أن العالمُ لا يمرّ بمرحلةِ تصحيحٍ عابرة، بل بمرحلةِ إعادةِ تسعيرٍ شاملةٍ للمخاطر، حيث لم يَعُدِ النموُّ السريعُ خيارًا آمنًا، ولم تَعُدِ السيولةُ قليلة الكلفة، ولم يَعُدِ الاستقرارُ أمرًا مفروغًا منه، وفي هذه المرحلة، لا تُقاسُ كفاءةُ الدولِ بقدرتِها على تحقيقِ أرقامٍ مرتفعة، بل بقدرتِها على الصمود، وإدارةِ المخاطر، واتخاذِ قراراتٍ هادئةٍ في وقتٍ يسودُه الضجيج.
وفي لحظةٍ تتقلّبُ فيها الأسواقُ أسرعَ من السياسات، يصبحُ الاستقرارُ الاقتصاديّ ليس هدفًا ثانويًا، بل خطَّ الدفاعِ الأوّلَ عن الدولة، والرهانَ الأذكى في زمنٍ لم يَعُدْ يرحمُ الأخطاء.