لماذا يحتاج مجلس النواب إلى مكتب للدفاع عن المواطن؟
م. وائل سامي السماعين
17-01-2026 11:59 PM
أحد أكبر التحديات التي تواجه العمل النيابي في الأردن اليوم هو تحوّل جزء كبير من دور النائب من رقابة وتشريع إلى وساطة خدمية، حيث يجد المواطن نفسه مضطراً للجوء إلى النائب للحصول على حق يفترض أن يكون مكفولاً بالقانون، سواء في تعيين، أو معاملة بلدية، أو ترخيص، أو حتى في تصحيح خطأ إداري بسيط. وهكذا تصبح “الواسطة” بديلاً عملياً عن سيادة القانون، لا لأنها مقبولة أخلاقياً، بل لأنها أحياناً الطريق الوحيد المتاح أمام المواطن.
هذه الظاهرة لا تضر فقط بمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص، بل تضعف أيضاً هيبة المؤسسات، وتستنزف وقت النائب في متابعة ملفات فردية بدلاً من ممارسة دوره الدستوري في التشريع والرقابة. والأسوأ من ذلك أنها تكرّس ثقافة مفادها أن الحقوق لا تُنال بالإجراءات القانونية، بل بالعلاقات الشخصية.
من هنا تبرز أهمية إنشاء مكتب للدفاع عن المواطن كذراع قانوني تابع لمجلس النواب، يضم محامين متخصصين في القانون الإداري، ويتولى تمثيل المواطنين مجاناً في مواجهة الجهات الحكومية والبلديات والهيئات التنظيمية. وجود هذا المكتب لا يلغي دور النائب، بل يعززه ويمنحه أداة مؤسسية قوية للتعامل مع شكاوى المواطنين ضمن إطار قانوني منظم.
بدلاً من أن يكتفي النائب بالاتصال الهاتفي أو المخاطبات الرسمية التي قد تُلبّى وقد تُهمَل، يستطيع أن يحيل شكوى المواطن إلى مكتب متخصص يقوم بدراسة الملف قانونياً، ويطلب الوثائق من الجهة المعنية، ويتدخل إدارياً أولاً، ثم يلجأ إلى القضاء الإداري عند الضرورة. وبهذا تتحول الشكوى من طلب خدمة إلى مسار مساءلة قانونية ملزم.
الأهمية الكبرى لهذا التحول تكمن في تقليص الحاجة إلى الواسطة. فعندما يعلم المواطن أن هناك جهة مستقلة قادرة على الدفاع عن حقه قانونياً، لن يكون مضطراً للبحث عن “باب خلفي” للدخول إلى المؤسسات. وعندما تعلم الجهة الإدارية أن قراراتها قد تُطعن قانونياً بشكل منهجي ومنظم، فإن مستوى الانضباط والالتزام بالقانون سيرتفع تلقائياً، وهو جوهر الحوكمة الرشيدة.
كما أن هذا المكتب يمكن أن يتحول إلى أداة استراتيجية بيد مجلس النواب، من خلال التقارير الدورية التي ترصد أكثر الجهات مخالفة للقانون، وأكثر أنواع الشكاوى تكراراً، مما يمكّن البرلمان من توجيه أسئلته واستجواباته وتشريعاته بناءً على بيانات حقيقية لا على انطباعات عامة أو حالات فردية.
في النماذج المقارنة، كما في بريطانيا والسويد وفرنسا، ترتبط مؤسسات الدفاع عن المواطن بالبرلمان مباشرة، وتُعد جزءاً من منظومة الرقابة الديمقراطية، لا خصماً للإدارة العامة. بل إن كثيراً من الإصلاحات الإدارية الكبرى في تلك الدول جاءت نتيجة تقارير هذه المكاتب، التي كشفت خللاً متكرراً في السياسات أو الإجراءات.
إن تبنّي هذا النموذج في الأردن لا يتعارض مع وجود هيئة النزاهة أو ديوان المحاسبة، او ديوان المظالم بل يكملهما. فهذه الجهات تركز على المال العام والفساد المؤسسي، بينما يركز مكتب الدفاع عن المواطن على الحقوق الفردية اليومية التي تمس حياة الناس مباشرة، والتي غالباً ما لا تجد طريقها إلى العناوين الكبرى، لكنها تشكّل جوهر العلاقة بين المواطن والدولة.
وفي سياق الحديث عن التحديث السياسي والإداري، فإن نقل العلاقة بين المواطن والنائب من منطق “الخدمة” إلى منطق “الحق” هو خطوة أساسية نحو بناء دولة مؤسسات حقيقية. فالنائب القوي ليس من يفتح الأبواب بالهاتف، بل من يملك أدوات قانونية تفتح الأبواب بالقانون.
إن إنشاء مكتب للدفاع عن المواطن، تابع للبرلمان ومستقل عن الحكومة، ليس مجرد إضافة إدارية، بل هو إعادة تعريف لوظيفة التمثيل النيابي، وتعزيز لثقافة الحقوق، وتأسيس عملي للحوكمة والمساءلة. وهو، قبل كل شيء، رسالة واضحة بأن الدولة القوية هي التي تحمي مواطنيها من الخطأ الإداري، لا التي تتركهم يفتشون عن واسطة لتجاوزه.
waelsamain@gmail.com