إلى متى سيبقى "التهريج" ضيفاً ثقيلاً على مائدتنا الرمضانية؟
فيصل تايه
26-02-2026 10:43 PM
في شهر رمضان، حيث يفترض أن تبلغ الدراما ذروة رسالتها الثقافية والاجتماعية، يفاجأ المتابع بتنام لافت لمحتوى يمكن وصفه "دون مبالغة" بالتافه والمسطح، محتوى شق طريقه من هوامش وسائل التواصل الاجتماعي إلى صدارة الشاشات الفضائية، بعد أن صُنع لبعض أصحابه لقب "مشاهير"، ثم رُقوا على عجل إلى مصاف "النجوم"، رغم ضحالة ما يقدمونه فكرياً وفنياً.
المقلق في المشهد ليس وجود هذا النمط بحد ذاته، بل احتضان مؤسسات إعلامية "خاصة ورسمية" له ومنحه شرعية الحضور، وكأنها تمنحه شهادة اعتماد رسمية لم يكن ليحلم بها، فانتقل العبث من فضاءات شخصية محدودة التأثير إلى منابر عامة يفترض أنها تصنع الذائقة، وتؤدي دوراً تنويرياً، وتحافظ على مستوى الخطاب العام، فلا المحتوى ارتقى إلى مستوى الشاشة، ولا القائمون على تلك الشاشات أدركوا خطورة التفريط بمسؤوليتهم.
ومع تصاعد أعداد من يطلقون على أنفسهم "صنّاع كوميديا"، تحوّل الأمر من حالات فردية إلى نهج إعلامي شبه سائد، اختلط فيه "الغث بالسمين"، والتفاهة بما يفترض أنه رسالة إعلامية جادة ، فبدل أن تكون غاية الإعلام الارتقاء بوعي المتلقي وتوسيع مداركه، بات كثير مما يُعرض باعثاً على النفور، قائماً على تهريج فج، ومبالغات لفظية وسلوكية، وخروج صريح عن الذوق العام، دون أي قيمة فكرية أو رؤية فنية واضحة.
إن الكوميديا الحقيقية "كما عرفتها التجارب الإنسانية الراقية" ليست إسفافاً ولا سخرية مبتذلة، بل فن عميق يحترم عقل المشاهد، ويضحكه دون أن يهينه، ويخفف عنه آلامه دون أن يستخف بوعيه ، أما تحويل "السماجة" إلى أداة للإضحاك، فليس سوى إعلان فشل فني، مهما حصد من مشاهدات عابرة.
وفي تقديري ، فإن كثيراً من الأعمال الكوميدية الرمضانية هذا العام أخفقت في قراءة الواقع، ووقعت في وهم تسويقي مفاده أن أي محتوى خفيف "مهما كان فارغاً " كفيل بجذب الجمهور ، كما يلاحظ هيمنة هوس الإنتاج الكوميدي على حساب المسلسل الاجتماعي والتاريخي وحتى الديني، دون امتلاك أدوات هذا اللون الفني، أو الاطلاع الجاد على نماذجه العالمية القادرة على الجمع بين المتعة والرسالة.
الأكثر إيلاماً أن بعض هذه الأعمال لجأ إلى السخرية من المآسي، ومحاولة صناعة الضحك من قلب التراجيديا، عبر أدوات رخيصة قائمة على التهكم والهزل المفرغ من المعنى، فخرجت محاولات مشوهة لما يسمى بالكوميديا السوداء، دون وعي بشروطها الفنية أو عمقها الإنساني ، ففشل المزج بين الكوميدي والتراجيدي، وسقطت الأعمال في فخ الابتذال، بعيداً عن تقديم صورة صادقة للمجتمع أو نقد موضوعي لسلوكياته.
بقي ان اقول : إن ما نشهده اليوم في عدد غير قليل من مسلسلاتنا هو غياب للموضوع، وللقيمة المعرفية، وللنقد الاجتماعي الرصين، مقابل تركيز مفرط على نكتة باهتة، أو سخرية من الشكل أو اللهجة، أو استعراض تهريجي يتجاوز حدود المقبول فنياً وأخلاقياً.
وهنا، تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة جادة لدور الإعلام والدراما، وإلى وقفة مسؤولة من الجهات المعنية، فالمسألة باتت قضية وعي عام، وأمن ثقافي، وصورة مجتمع تبث يومياً إلى ملايين البيوت ، فالإعلام إما أن يكون شريكاً في الارتقاء بالعقل الجمعي، أو شاهداً "وربما مساهما" في تآكله.
والله من وراء القصد.