بين الدبلوماسية والطبيعة الإنسانية: كيف نقرأ زيارات السفير الأميركي للبيوت الأردنية؟
18-01-2026 07:33 AM
أثارت الزيارات المتكررة التي يقوم بها السفير الأمريكي جيمس دبليو هولتسنيدر إلى البيوت الأردنية، والجلوس مع العائلات في فضاءاتها الخاصة، موجة من التساؤلات، بل وسوء الفهم أحيانًا فبين من قرأ هذه الخطوات على أنها محاولة اختراق ناعمة للمجتمع، ومن رأى فيها سلوكًا غير مألوف يتجاوز الأعراف الدبلوماسية التقليدية، غاب عن النقاش عنصر أساسي: الخلفية الاجتماعية والإنسانية للشخص قبل أن يكون ممثلًا لدولة عظمى.
ينحدر السفير الأميركي من ولاية آيوا، وهي ولاية تُعد من أكثر الولايات الأميركية ميلًا للطابع الريفي والزراعي، حيث تقوم الحياة الاجتماعية هناك على التماسك المجتمعي، والعلاقات المباشرة، والبيوت المفتوحة، والبساطة التي تسبق البروتوكول ، ولاية آيوا ليست مدينة سياسية صاخبة، بل مساحة واسعة من الحقول، ومعظم سكانها يعملون في الزراعة، وخصوصًا زراعة الذرة، ما يخلق نمطًا إنسانيًا خاصًا قائمًا على القرب، والجلوس مع الناس، والتواصل المباشر دون حواجز رسمية صارمة.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة ميل السفير إلى الأجواء الشعبية الأردنية، لا بوصفه فعلًا سياسيًا بالضرورة، بل باعتباره انعكاسًا لطبيعة اجتماعية تشكّلت في بيئة تعتبر البيت مساحة عامة للعلاقات، وليس مجرد جدران مغلقة فالاقتراب من الناس، والجلوس معهم، والاستماع إلى قصصهم، هو سلوك اعتيادي في مجتمعات ريفية ترى في التواصل الإنساني قيمة بحد ذاته، لا أداة نفوذ.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الذاكرة السياسية العربية، والأردنية تحديدًا، مشحونة بالحذر فالتاريخ الطويل من التدخلات، والضغوط، ومحاولات الفهم العميق للمجتمعات بغرض التأثير أو السيطرة، يجعل أي خطوة غير تقليدية قابلة للتأويل السياسي، حتى وإن كانت في أصلها اجتماعية من هنا جاء سوء الفهم، وربما الشك، في تفسير هذه الزيارات على أنها محاولة فرض سيادة ناعمة أو دخول إلى تفاصيل المجتمع لمعرفة مفاصله الدقيقة.
نعم، من الصعب – بل من المستحيل – فصل أي سفير عن الدولة التي يمثلها فهو في النهاية مندوب رسمي، يتحرك ضمن سياق سياسي أوسع، وتحت مظلة مصالح دولته لكن في الوقت ذاته، ليس كل سلوك يصدر عن سفير ضرورةً تعبيرًا مباشرًا عن استراتيجية دولة فالأفراد، حتى في أكثر المواقع الرسمية حساسية، يحملون معهم طباعهم، وذاكرتهم الاجتماعية، وتكوينهم الإنساني.
ربما لم يكن السفير مضطرًا لزيارة البيوت الأردنية، وربما لم يكن هذا السلوك جزءًا من خطة دبلوماسية مدروسة بقدر ما هو امتداد لطبيعة شخصية ترى في القرب من الناس قيمة إنسانية قبل أن تكون أداة سياسية والخلط بين البعدين – الإنساني والسياسي – هو ما ولّد هذا الجدل.
في النهاية، قراءة المشهد تحتاج قدرًا من الاتزان لا سذاجة تُسقِط البعد السياسي تمامًا، ولا تشدد يُفرغ الفعل من أي بعد إنساني فالدبلوماسية، في كثير من الأحيان، ليست فقط نصوصًا رسمية وبيانات، بل أيضًا بشر يتحركون بخلفياتهم، ويصطدمون بثقافات أخرى تُفسّر أفعالهم من زوايا مختلفة وربما هنا تكمن الحاجة إلى فهم أعمق، لا يبرّئ ولا يُدين، بل يضع الأشياء في سياقها الأوسع.