الإخوان المسلمون بين السياسات الأمريكية والأردنية
إبراهيم غرايبة
18-01-2026 10:02 AM
يعتبر التصنيف الأمريكي لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن تنظيما إرهابيا (أو داعما للإرهاب) محطة كبيرة في مسار الجماعة وعلاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية لكن لا يتوقع أن يكون لذلك تأثير كبير على السياسات الأردنية الرسمية تجاه الجماعة، أو لن يغير كثيرا في السياسات القائمة والمتبعة بالفعل قبل إعلان الجماعة في الأردن تنظيما إرهابيا.
ثمة اختلافات وفروق كبيرة بين المنظور الأردني الرسمي والمنظور الأمريكي تجاه الإخوان المسلمين في التقييم الايديولوجي والحسابات السياسية والمجتمعية، وقد أصبح واضحا لمتابعي هذا الشأن أن المنظور الرسمي الدولي والوطني تجاه الجماعة مرتبط أساسا بالبلد الذي تعمل وتنشط فيه، ما يعني أن الأمر مرتبط بالمواقف والاتجاهات السياسية الواقعية للدول وبسلوك الجماعة السياسي حسب الدولة التي تنتمي إليها أكثر مما هو مرتبط بأيديولوجيا الجماعة وأفكارها ورؤيتها الدينية والسياسية. ومؤكد أنها مسألة معقدة ومتناقضة.
يتعلق الموقف الأمريكي تجاه جماعة الإخوان المسلمين في الأردن بسياسات الجماعة ومواقفها تجاه القضية الفلسطينية، والاعتقاد الأمريكي أن الجماعة تشارك في تمويل ودعم حركة حماس، وهي تهمة لا تنفيها الجماعة، وتعرفها الحكومة الأردنية وتتابعها وتديرها منذ إعلان تأسيس حماس عام 1987 وقبل ذلك حيث كان العمل الفلسطيني الإخواني موحدا ومشتركا منذ قيام الوحدة الأردنية الفلسطينية بعد حرب 1948، وكان هذا الملف على الدوام موضع جذب بين الحكومة (الحكومة بالمفهوم الذي يعني جميع مؤسسات الدولة الرسمية التنفيذية والسياسية) والجماعة، يراوح بين التأييد والتنسيق والاختلاف والتناقض والرضا والغضب والإغضاء والتجاهل والتوتر، وهو أمر يمكن ملاحظته ورصده، ولا حاجة لإثباته وتأكيده في هذه المقالة على الأقل.
إن الخلاف بين الحكومة (بالمفهوم الذي أشرت إليه سابقا) وبين جماعة الإخوان المسلمين تجاه القضية الفلسطينية ليس كبيرا، وقد اقترب الموقفان من بعضهما كثيرا بعد حرب 7 تشرين، ويبدو الموقف الأردني في منظور حماس أكثر اقترابا من الإخوان، ليس لاختلافات أيديولوجية أو سياسية بين الإخوان وحماس، لكن الانغماس الحماسوي العملي والميداني في الشأن الفلسطيني يجعلها (حماس) اكثر اقترابا من الأردن ومصر. الحال أن الدول العربية تنظر إلى تسوية عادلة ومرضية للقضية الفلسطينية كأولوية قومية ووطنية كبرى، حتى مع الاختلاف مع حماس والإخوان المسلمين في الوسائل والأدوات أو تقييم التسوية والمعاهدات السياسية مع إسرائيل، وهو الخلاف الطبيعي والمتوقع بين الدول والجماعات. فالدولة لها حسابات أكثر تعقيدا من الجماعات، واخطاء الدول ومواقفها وحساباتها ينبني عليها متوالية كبيرة من النتائج، لكن في مقدور الجماعات أن تخطئ وتغير وتبدل دون تداعيات خطيرة.
وفي الوقت نفسه فإن الحكومة الأردنية أدارت مجموعة كبيرة من الاختلافات والأزمات مع حماس وجماعة الإخوان المسلمين متعلقة أساسا بحسابات الدولة وحسابات الجماعة. مثل نقل وتخزين السلاح والأموال والتداخل التنظيمي بين الجماعة وحماس وبين الشأن الأردني والفلسطيني، وهناك قصص وأمثلة كثيرة أصبحت علنية ومعروفة ومتكررة منذ عام 1984 (قضية أسرة الجهاد بقيادة احمد ياسين وعبد الله نمر درويش) إلى قضية تخزين وتهريب السلاح التي كشف عنها في نيسان 2025، وبينهما قصص وأمثلة صغيرة ومتوسطة في السياق نفسه.
كانت الحكومة تدير الأزمة بحدود الأسماء والمعلومات التي يظهرها التحقيق، ولم تتحول إلى أزمة شاملة مع جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس، حتى أزمة عام 1999 بين الحكومة وحماس لم تعقبها قطيعة شاملة، وبقيت على الدوام خطوط تواصل وتفاهمات كثيرة ثم وصلت الأمور إلى تطور ايجابي في العلاقة مع حماس بدءا بالعام 2008 مع استمرار الخلافات والتناقضات في الوقت نفسه. إنها بالفعل إدارة التناقضات.
لا تنظر الولايات المتحدة الأمريكية إلى جماعة الإخوان المسلمين في العالم وفي الأردن كجماعة مناقضة لها أيديولوجيا، العكس تبدي الحكومة الأمريكية تقبلا إيجابيا للجماعة، فالجماعة في المنظور الأمريكي تتقبل الديمقراطية وتظهر استعدادا للتعاون وحتى الاندماج مع الأوساط غير الإسلامية ومع غير المسلمين وحتى المختلفين عنهم كثيرا في أسلوب الحياة والثقافة. وفي الولايات المتحدة يبدي العرب والمسلمون الذين يعكسون في سلوكهم وأفكارهم تأثيرا إخوانيا واضحا يبدون اندماجا كبيرا وتعاونا مع المجتمع الأمريكي والمؤسسات الرسمية والفئات الاجتماعية بمن فيهم "المثليون" واليهود، ويقتصر الخلاف على القضية الفلسطينية.
يشير عبد اللطيف عربيات في مذكراته "صفحات من حياتي" إلى سلسلة لقاءات جرت بين مجموعة من الحركات الإسلامية في دول عربية عدة وبين مجموعة من الدبلوماسيين والباحثين الأمريكان والأوروبيين، عقدت هذه الاجتماعات على مدى ثلاث سنوات (2003 – 2006) في المغرب وإسبانيا وهولندا وسويسرا واليونان ولبنان. ويذكر أن اللقاءات كان ينسقها "المركز العالمي للحوار الدائم في واشنطن" وبتمويل سويسري. لا يمكن وصف الاجتماعات بأنها فكرية أو حوارية كما يحاول أن يؤكد عربيات، لأن المؤتمرات الفكرية والحوارية تعقد علنا حتى وإن كانت مغلقة في قاعات ومناسبات علنية كبرى، ويشارك فيها أكبر عدد ممكن من الباحثين والمفكرين، لكن الاجتماعات التي ذكرها عربيات كان يشارك فيها ممثل واحد عن الإخوان المسلمين من كل قطر، وكان عربيات ممثل الأردن ومعه عاطف الجولاني (على الأرجح ممثلا لحركة حماس) وشارك فيها كما يذكر ممثل من حزب الله، ومن الإخوان المسلمين المصريين كان يشارك فيها عبد المنعم أبو الفتوح وإبراهيم البيومي، وشارك فيها أيضا رئيس حزب الوسط المصري (لم يذكر اسمه ولعله أبو العلا ماضي) وحضر أيضا ميشيل كيلو وحسين العودات وزهير سالم الطيب من سوريا ولبنان.
لم أجد من خلال البحث في الانترنت إشارة إلى "المركز العالمي للحوار الدائم" ولا يبدو أن لهذا المركز موقع أو عنوان على الانترنت، ولا يظهر له أي نشاط فكري أو بحثي، لكن من المؤكد أنها حوارات أدت إلى سلسلة من النتائج يمكن ملاحظتها أو تذكرها، منها على سبيل المثال الإصدارات الرسمية لـ "فروع جماعة الإخوان المسلمين" ومنها الأردن وفلسطين وسوريا ومصر والتي توضح فيها رؤى ومواقف جديدة تجاه مجموعة من القضايا والحقوق العامة، مثل الديمقراطية والمرأة وغير المسلمين، وهي كتيبات علنية ومنشورة ومتداولة، ولقيت تفاعلا إعلاميا وترحيبا سياسيا أمريكيا ودوليا، وكانت مجريات الربيع العربي كما يبدو أو يرجح واحدة من نتائج هذه التفاهمات، وأعلنت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة في أثناء الربيع العربي أنه لامشكلة لدى الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الإخوان المسلمين.
ما التغيرات التي حدثت بالنسبة لجماعات الإخوان المسلمين؟ لم يحدث جديد يغير السياسات الأمريكية أو العربية الرسمية تجاه الجماعة، والمشهد مازال واضحا ومستقرا، وهو بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية توافق أيديولوجي وخلاف حول القضية الفلسطينية، وبالنسبة للدول العربية وخاصة مصر والأردن والسعودية خلاف أيديولوجي واتفاق سياسي بشأن القضية الفلسطينية والقضايا القومية والعالمية. الولايات المتحدة تجد الإخوان المسلمين عقبة في تسوية القضية الفلسطينية وخاصة بعد حرب 7 تشرين وتداعياتها لكنها تراهم شركاء أيديولوجيين معقولين او يمكن احتمالهم. والحكومات العربية ترى في أيديولوجية الإخوان المسلمين سببا للانقسام الاجتماعي والتعصب والتوتر وتهديدا لسيادة الدول، ولكنها (الحكومات) متفقة معهم في القضية الفلسطينية والسياسات الخارجية.