facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




أين تذهب أموال الضمان الاجتماعي؟


فيصل تايه
18-01-2026 11:24 AM

خلال الفترة الماضية، تسلل القلق إلى أحاديث الناس مدفوعاً بموجة متصاعدة من الشائعات والتكهنات التي أُحيطت بأموال الضمان الاجتماعي، حتى تحولت من تساؤلات مشروعة إلى حالة قلق عام ، مستندة الى روايات غير موثقة وتفسيرات مجتزأة ، امتزج فيها الخوف بالغضب، وتكاثرت خلالها العناوين المثيرة والتفسيرات المتعجلة، ذهبت في كثير من الأحيان إلى التشكيك بسلامة هذه الأموال وبطريقة إدارتها، بل إلى الإيحاء بأنها أموال قابلة للعبث أو مفتوحة على احتمالات الخطر .

نعم ، لقد بات يقال بثقة إن هذه الأموال لم تعد في مأمن، وإنها عرضة للتغول أو سوء الإدارة ، غير ان الأخطر في هذا المشهد لم يكن في كثرة الكلام بحد ذاته ، بل تحول الشائعة إلى قناعة راسخة ، والقلق المشروع إلى اتهام جاهز ، دون توقف كاف عند ما يقال او محاولة الاستناد إلى معرفة حقيقية، لتتشكل قناعات عامة مبنية على انطباعات غذاها الغموض والضجيج أكثر مما غذتها الحقائق .

أمام هذا المناخ المشحون، لم يعد الاكتفاء بالمراقبة أو التعليق كافياً ، فحين يتحول القلق العام إلى قناعة، وتصبح الشائعة بديلاً عن المعلومة، يصبح البحث عن الحقيقة واجباً ، وفي هذا السياق ، جاءت مبادرة مجموعة من أعضاء ملتقى "النخبة_elite" ، الذي يضم نخبة من الشخصيات الوطنية والفكرية والكتاب والمثقفين والخبرات من مشارب متعددة، للانتقال من دائرة التساؤل إلى دائرة الفحص المباشر، ومن التداول غير المؤسس إلى المواجهة الهادئة مع الوقائع، عبر زيارة صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، ولقاء معالي السيد عمر ملحس، رئيس مجلس الاستثمار ومعالي الدكتور عز الدين كناكرية، رئيس الصندوق ، وعدد من القيادات التنفيذية ، وفتح الملفات التي تشغل الرأي العام .

لم تكن الزيارة بروتوكولية، ولا مجرد مجاملة مؤسسية، بل مواجهة مباشرة، لطرح أسئلة صعبة وحساسة، دون تلطيف، ودون افتراضات مسبقة ، والتحقق من الحقيقة في صميم المكان الذي تتخذ فيه القرارات المالية الكبرى، بعيداً عن الانطباعات أو النقل المجتزأ ، فلم تكن هذه الخطوة بحثا عن تبرير، ولا محاولة لتهدئة مخاوف عبر خطاب مطمئن، بل سعياً جاداً لوضع الروايات المتداولة تحت ميزان الفحص، ومساءلة ما يقال بالأرقام والأنظمة لا بالانطباعات ، فملف أموال الضمان الاجتماعي هو ملف سيادي يمس حاضر الأردنيين ومستقبلهم، ويستدعي قدراً عالياً من الدقة والمسؤولية في تناوله ، فكان التركيز منصباً على فهم البنية التي تدار من خلالها هذه الأموال، وحدود العلاقة بينها وبين الحكومة، وآليات اتخاذ القرار الاستثماري، وطبيعة الأدوات المالية المستخدمة، وحجم الرقابة التي تحيط بكل دينار يدار باسم المؤمن عليهم.

ما تكشف منذ اللحظات الأولى للنقاش أن الحديث عن أموال الضمان لا يمكن فصله عن منظومة حوكمة صارمة ومعقدة ، محمية بإطار قانوني صارم وشفاف ، وتحكمها قوانين وتشريعات واضحة، ويشرف على إدارتها مجلس استثمار مستقل يضع السياسات العامة ويقر الخطط الاستراتيجية، بينما يتولى الصندوق التنفيذي تنفيذها بدقة، تحت رقابة دائمة تشمل لجان متخصصة، وتدقيق داخلي وخارجي، ودراسات اكتوارية تعد كل ثلاث سنوات من جهات دولية معتمدة ، وتضاف إلى ذلك رقابة ديوان المحاسبة، وتقارير ربعية ترفع لمجلس الامة والجهات الرسمية المعنية، لضمان أن كل قرار مالي يستند إلى معايير علمية دقيقة، بعيداً عن أي تأثير أو ضغوط خارجية.

وفي واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل، كان لا بد من التوقف عند ما يسمى "إقراض الحكومة" من أموال الضمان ، وهنا جاء التوضيح حاسماً : الحكومة لا تقترض مباشرة من الصندوق، ولا تضع يدها على أمواله، بل يتم الاستثمار من خلال الاكتتاب في سندات الخزينة وفق شروط معلنة تتعلق بالفائدة والسداد والضمان ، وهذه السندات تعد من أكثر الأدوات الاستثمارية أماناً ، وهي قابلة للتسييل عند الحاجة، وتدخل فيها البنوك والمؤسسات المالية في منافسة مفتوحة ، ولو كان الهدف تغولاً أو استحواذاً، لما التزمت الحكومة بسعر فائدة وشروط سداد، ولما كانت البنوك نفسها تستثمر مليارات الدنانير في الأداة ذاتها.

أما على مستوى الاستثمارات، فقد بدا جلياً أن الصندوق لا يضع أمواله في سلة واحدة، بل يعتمد سياسة تنويع مدروسة تشمل البنوك، وشركات الاتصالات، والطاقة، والعقار، والسياحة، والصناعة، إضافة إلى حصص في شركات وطنية كبرى ، ففي كل استثمار، تسبق القرار دراسات جدوى دقيقة وتحليل مخاطر، ويتم اللجوء إلى بيوت خبرة دولية لتقدير القيمة العادلة، كما حدث في ملف شركة الفوسفات، حيث امتنع الصندوق عن الدخول في مرحلة كانت محفوفة بالخسائر، ثم عاد واستثمر لاحقاً بعد تحسن الأداء ودخول شريك استراتيجي وارتفاع الأسعار عالمياً، محققاً عوائد محسوبة لا مغامرات غير محسوبة.

الاستثمار السياحي والعقاري كان حاضراً بقوة في النقاش، ليس فقط من حيث العائد، بل من حيث التوازن بين الكلفة التشغيلية والاستدامة، ومراعاة الخصوصية البيئية والأثرية، مع بعد اجتماعي واضح يتمثل في تشغيل أبناء المناطق المحيطة بالمشاريع ، حيث ان هذه التفاصيل ليست هامشية، بل تعكس فلسفة ترى الاستثمار كرافعة اقتصادية وتنموية، لا مجرد أرقام في ميزانية.

وفيما يتعلق بمشروع "مدينة عمرة الجديدة" ، فقد طرح بعيداً عن التجميل أو التهويل ، فالأرض مملوكة، والتكلفة معروفة، والإدارة موكلة إلى صندوق سيادي مستقل، والهدف ليس المضاربة العقارية، بل مشروع طويل الأمد يعالج إشكالية السكن، ويخلق فرص عمل، ويسهم في تعزيز الاستدامة المالية للضمان ، زالنجاح هنا ليس مضموناً تلقائياً ، لكنه مشروط بالإدارة الحصيفة، وهو ما بدا حاضراً في الرؤية المطروحة.

الأرقام التي اطلعنا عليها تعكس مساراً تصاعدياً واضحاً ، ففي عام ٢٠٢٥، نما حجم موجودات الصندوق بنحو ٢,٤ مليار دينار ليصل إلى ١٨,٦ مليار دينار، بنسبة نمو ١٥% مقارنة بالعام السابق، نتيجة ارتفاع الدخل الشامل إلى نحو ٢,٢ مليار دينار، وصافي الدخل من المحافظ الاستثمارية إلى حوالي ١,١ مليار دينار، مع ارتفاع قيمة الأسهم الاستراتيجية بحوالي ١,١ مليار دينار.

اما صافي الدخل من المحافظ المختلفة فقد سجل نمواً بنسبة ٢١,٨% مقارنة بالعام السابق، فيما توزعت الموجودات على السندات بنسبة ٥٥,٨%، الأسهم ١٩,,٩%، أدوات السوق النقدي ١٢,١%، الاستثمارات العقارية ٦%، القروض ٣%، والاستثمارات السياحية ١,٧%. منذ تأسيس الصندوق عام ٢٠٠٣ ، نما حجم الموجودات من ١,٦ مليار إلى ١٨,٦ مليار دينار، مع أرباح استثمارية تجاوزت ١٠,٨ مليار دينار، وفوائض تأمينية بقيمة ٦,٢ مليار دينار ، وهي أرقام لا تقرأ بمعزل عن طبيعة النهج الاستثماري المتبع، ولا تقاس بمعايير الربح السريع، إذ إن هذه العوائد، وإن بدت متواضعة عند قراءتها في سياقها الاستثماري المجرد، تعكس فلسفة واضحة تقوم على حماية المال أولاً، ثم تنميته ضمن حدود المخاطرة المقبولة، بعيداً عن المغامرة قصيرة النفس.

ما خرجنا به من هذا اللقاء لم يكن شعوراً بالاطمئنان فحسب ، ولا قناعة مستعجلة، بل فهماً أعمق لكيفية إدارة أكبر محفظة مالية في الأردن، تحت مجهر الأمانة القانونية والمساءلة الشعبية ، فلم نسمع ما نحب سماعه، بل ما يمكن التحقق منه بالأرقام والأنظمة.

ومن باب الأمانة ، لا بد من التأكيد أن ما كتبته هنا لا يأتي دفاعاً عن مؤسسة، ولا تبريراً لسياسات، ولا اصطفافاً مع حكومة أو جهة رسمية، فلا ينبغي أن يفهم على أنه تسحيج أو مجاملة ، بل هو نقل لما رأيناه وسمعناه مباشرة، بقدر من المسؤولية والصدق، لأن تضليل الرأي العام أخطر من النقد ذاته، ولأن الحقيقة، مهما كانت، أحق أن تقال .

وأخيراً ان الخلاصة التي يمكن الخروج بها أن أموال الضمان الاجتماعي ليست سائبة، ولا سهلة المنال، ولا تدار بعشوائية كما يصوّر أحيانا ، فالنقد حق، والقلق مشروع، والمساءلة واجبة، لكن الحكم العادل لا يبنى على الشائعة، بل على المعرفة ، فهذه أموال الأردنيين، وحمايتها مسؤولية الجميع، تماماً كما أن قول الحقيقة عنها مسؤولية لا تقل أهمية.

والله ولي التوفيق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :