شرقٌ لا ينكسر: من هرقل إلى نتنياهو
صالح الشرّاب العبادي
18-01-2026 11:42 AM
كيف قاوم الشرق الأوسط كل مشاريع التغيير القسري؟
لم تكن هذه الرقعة المسماة اليوم بـ الشرق الأوسط مسرحاً عابراً للجيوش والخرائط، بل كانت الوعاء الذي امتحن كل إمبراطورية حاولت ابتلاعه، فإذا به يبتلعها أو يغيّرها.
من عرش هرقل إلى مشاريع نتنياهو وترامب، يتكرر الوهم نفسه:
أن هذه المنطقة قابلة للتشكيل بقرارات فوقية.
لكن التاريخ يكشف أن الشرق لا ينحني إلا حين ينحني بإرادته.
1) هرقل الروم: سلطة عمرانية بلا جذور متجذرة
في القرن السابع الميلادي، كان الروم يتصورون أن البحر المتوسط بحيرتهم الخاصة.
مدن، عمارة، قوانين رومانية متجذرة…
لكنها لم تخاطب روح سكان الشرق.
دخل الإسلام، لا بوصفه جيشاً فقط، بل حاملاً تصوراً جديداً للإنسان والعدالة والمصير.
فتساقط النفوذ الروماني، وبقيت الآثار مجرد أطلال تحكي أن الأفكار أقوى من الحجارة.
2) كسرى فارس: الدولة العظمى التي سقطت أمام فكرة
بهرج القوة الفارسية، وتسلسل طبقي خانق، وشعب لا يشارك في صناعة القرار.
واجهت فارس الفكرة الإسلامية فانهارت بسرعة مدهشة،
لأن الشرعية انتقلت من البلاط الإمبراطوري إلى المجتمع.
هنا وُلد درس تاريخي سيُعاد لاحقاً: الجيوش لا تنتصر حين يخسر النظام أخلاقه.
3) التتار: زلزالٌ دمّر المدن… ثم ذاب في روحها
سقطت بغداد عام 1258، واعتبر العالم أن الشرق انتهى.
لكن المدهش أن التتار الذين جاءوا إحراقاً ، انتهوا أبناءً لهذه الأرض.
تعلموا لغتها، واعتنقوا دين أهلها، وانصهروا في نسيجها.
هذا الشرق لا يطرد الغزاة دائماً؛ أحياناً يهضمهم فيتحولون جزءاً منه.
4) الحملات الصليبية: قرنان من القتال… ولا تغيير في الجوهر
استمرت الحملات الصليبية بنسخها السياسية والدينية والعسكرية قرابة 200 عام.
بلغت قلب الشام والقدس، لكنها غادرت أخيراً، تاركة درساً واضحاً:
لا يمكن إخضاع منطقة تعرف نفسها عبر معابدها وذاكرتها وأهلها.
التحام الشعوب — مسلمين ومسيحيين شرقيين — صنع جبهة حضارية، لا جيشاً تقليدياً.
5) العثمانيون: قبول المظلّة الإسلامية… ومحدودية مشروع الدولة
عاش العرب تحت حكم العثمانيين أربعة قرون.
قبِل كثيرون المظلّة الدينية في البداية،
لكن غياب مشروع معرفي وتنموي حقيقي جعل الوجود العثماني يتآكل ببطء.
حين هبّت رياح القومية والحداثة،
لم يكن للسلالة العثمانية ما تقدمه سوى الجندية… فسقطت.
6) الغزو النابليوني: المرة الأولى التي تفحص فيها المنطقة الغرب
حين اقتحم نابليون مصر عام 1798، لم يأتِ كغازٍ فحسب،
بل حمل معه مختبرات، مطابع، خرائط ومسّاحين.
ظن أنه يقدر أن يستنسخ أوروبا هنا.
لكن ما جرى كان العكس:
الشرق فتح وعيه على معرفة الغرب دون أن يذوب فيه.
الاحتلال رحل، لكن أسئلة النهضة بقيت في العقول.
7) الاستعمار الأوروبي الحديث: رسائل السيطرة عبر الاقتصاد والعلم
منذ القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين،
تقاسمت القوى الأوروبية الجغرافيا العربية عبر التجارة، البعثات، ثم الاحتلال العسكري المباشر.
فرضت قوانين، دمرت نظم تعليم محلية، وحاولت تغريب المجتمع قسرياً.
لكنها واجهت ما لم تتوقعه:
ثورات فلاحين، مدن تتنفس هوية قومية، وحركات مقاومة من طنجة حتى البصرة.
8) التحرر الوطني: حين كتب العرب تاريخهم بأيديهم
من ثورة الجزائر، إلى استقلال الأردن، إلى نهوض مصر وسوريا والعراق،
بدأت الشعوب في طرد الاستعمار لا بالبنادق وحدها،
بل بمعارك تعليم، إصلاح، صحافة، وبناء مؤسسات.
الشرق هنا لم يكتفِ بطرد المحتل، بل استعاد ذاته وابتكر سرديته الحديثة.
9) سايكس بيكو: تقسيم الجغرافيا… لا تقسيم الوعي
عندما عجز الاحتلال المباشر،
لجأت القوى الكبرى إلى الخرائط والخطوط الوهمية.
لكن لا الحدود ولا الإعلام ولا الاتفاقيات استطاعت تفتيت الذاكرة المشتركة.
قد يتفرق العرب سياسياً،
لكن اللغة والثقافة والوجدان يصنعون أمة لا تفهمها خرائط أوروبا.
10) نتنياهو وترامب: آخر ورثة الوهم الإمبراطوري
اليوم يتصور نتنياهو وترامب أنهم قادرون على إعادة رسم المنطقة:
بمعاهدات، تطبيع، فرض أجندات اقتصادية،
وربما بتخليق شرق أوسط “جديد” على هواهم.
لكن كما فشل من قبلهم،
سيفشلون لأنهم يقرؤون الجغرافيا ولا يقرأون الأرواح.
قد ينجحون في تأجيل مسار، أو إخضاع طرف، أو شراء نخبة،
لكنهم لن يعيدوا تشكيل شرقٍ صنعته حضارات السماء والأرض معاً.
من الطرق الخبيثة هي اللعب على الطائفية متناسين ان التعايش الذي يعيشه الشرق الأوسط بين أتباع الديانات السماوية، هو خصوصية لا تكاد تُرى في أي مكان آخر على وجه الأرض ، ففي هذه الرقعة، عاش اصحاب الديانات غير الإسلامية قروناً يتقاسمون الأسواق والمدن والذاكرة ذاتها، بأعياد متداخلة ولهجات متقاربة وروابط حياة أبعد ما تكون عن الصدام المصطنع ، إن هذا الامتزاج في اليومي والإنساني هو أحد أسرار قوة المنطقة، لا نقطة ضعفها ، فغيرهم كان أدهى وأعظم وطأة ولم يفلحوا ،.
الشرق الذي يغيّر الغزاة ولا يتغيّر بهم
من هرقل إلى كسرى،
من التتار والصليبيين إلى نابليون والعثمانيين،
ومن خرائط سايكس بيكو إلى أحلام ترامب ونتنياهو،
النتيجة ذاتها:
هذا الشرق لا يعاد صياغته من الخارج، بل حين يختار هو التغيير من الداخل.
وحتى إذا حاول بعضهم اليوم تلوين الدين والعقيدة أو إعادة صياغتهما لخدمة مصالح زمنية عابرة، فإن التاريخ يخبرنا أن غيرهم حاول ذلك مراراً من قبل ، دول، جيوش، إمبراطوريات، ومراكز ثقافة ، منظمات مبطنة ، تشويه لعقيدة ، إعلام مدفوع ، مناهج غربية الهوى ، وغيرها ، فانتهى الأمر دائماً بالفشل الذريع ، فهذه المنطقة لا تسمح بتغيير جوهر روحها، مهما تنوعت الوسائل وتبدلت الشعارات.
ففي كل حقبة انكسر فيها السيف وتراجع فيها الحلم،
وفي كل كبوة ظن الغزاة أنها النهاية،
كان الله يهيئ لهذه الأمة فئة صادقة من أبنائها ، مؤمنة بقضيتها ، محتسبها امرها إلى الله .
لا تحمل فقط سيفاً أو راية، بل تحمل وعياً وهوية وذاكرة وقيمة إنسانية تحترم الإنسان كما اسس على العقيدة الحقة التي تعطي لكل إنسان حقه مهما كان لونه او جنسه او إنتمائه .،
لتنهض المنطقة من ترابها كما فعلت مراراً، وتدافع عن إرثها وتاريخها،
وتدحض كل محاولة لرسمها من الخارج
أو تغيير وسمها وثقافتها ووجهها.
هذه ليست صدفة تاريخية، بل سُنّة حضارية أثبتتها الوقائع:
الأمم التي تعرف أصلها لا يغيرها غازٍ،
بل تغيّر هي من جاء يريد محوها.
الشرق الأوسط ليس أرضاً تنتظر من يرسم شكلها، بل كيان حضاري يقاوم، يتكيف، يبتلع، ثم يعيد تعريف من جاء لاستعماره.
وحين يقرر أن ينهض، سيفعل ذلك بصوته، لا بصوت أحدٍ آخر ، وكأن سنّة هذا الشرق ألا يموت، بل أن يُبعث كلما ظنّ الغريب أنه انتصر عليه .