دمقرطة الإبداع الفني وتحرير الذائقة
د. تيسير المشارقة
18-01-2026 04:33 PM
لطالما ارتبط الفن عبر التاريخ بالنخب الاجتماعية والسياسية، سواء من حيث الإنتاج أو التلقي. فالمسارح الملكية، والمعارض الخاصة، ورعاية البلاطات الحاكمة للفنانين، جعلت الفن في كثير من مراحله حكرًا على فئات محدودة. غير أن التحولات الاجتماعية والتكنولوجية التي شهدها العالم، خاصة منذ القرن العشرين، أعادت طرح سؤال جوهري: هل يمكن دمقرطة الفن؟ أي جعله متاحًا للجميع إنتاجًا واستهلاكًا وتأثيرًا؟
مفهوم دمقرطة الفن أصبح متاولاً. وتشير دمقرطة الفن إلى إتاحة الفعل الفني خارج الأطر النخبوية الضيقة، وتمكين الأفراد من مختلف الطبقات الاجتماعية من الوصول إلى الفن والمشاركة في صناعته وتلقيه. وهي لا تعني بالضرورة تسطيح الفن أو إلغاء معاييره الجمالية، بل توسيع دائرته الاجتماعية وكسر احتكاره المؤسسي.
الفن أصبح أداة ديمقرطية. ويمتلك الفن قدرة فريدة على التعبير الحر ونقل التجارب الإنسانية المشتركة، وهو بذلك يشكل مساحة ديمقرطية بامتياز. فالأغنية الاحتجاجية، والرسم الجداري (الغرافيتي)، والمسرح التفاعلي، والسينما المستقلة، كلها أشكال فنية لعبت دورًا في إيصال أصوات المهمشين، وفضح القمع، وخلق وعي جماعي يتجاوز الخطابات السياسية التقليدية. وفي هذا السياق، يصبح الفن وسيلة لممارسة الحق في التعبير، ومجالًا لتداول الأفكار والقيم، وهو ما ينسجم مع جوهر الديمقرطة بوصفها مشاركة لا وصاية.
لعبت التكنولوجيا المعاصرة ووسائل التواصل الاجتماعي أدوار مهمة في دمقرطة الإنتاج الفني. و أحدثت الثورة الرقمية تحوّلًا جذريًا في علاقة الفن بالجمهور. فوسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات النشر المرئي والمسموع، أتاحت للفنانين الشباب إنتاج أعمالهم دون المرور عبر المؤسسات التقليدية. لم يعد الفنان بحاجة إلى دار نشر كبرى أو صالة عرض مرموقة ليصل إلى جمهوره؛ بل أصبح الهاتف الذكي أداة إنتاج فني بحد ذاته. هذا التحوّل ساهم في كسر المركزية الثقافية، وسمح بظهور أصوات فنية من الأطراف الجغرافية والاجتماعية، خاصة في العالم العربي، حيث برزت أشكال جديدة من التعبير الفني خارج العاصمة والمؤسسة الرسمية.
ما زالت هناك إشكاليات في استيعاب وتقبّل مسألة دمقرطة الفن. و رغم إيجابياتها، تطرح دمقرطة الفن إشكاليات نقدية مهمة. فسهولة الإنتاج والنشر قد تؤدي أحيانًا إلى فوضى جمالية، أو إلى هيمنة “الترند” والخوارزميات على الذائقة الفنية. كما أن تحويل الفن إلى منتج استهلاكي سريع قد يفرّغه من عمقه النقدي والمعرفي. من هنا، تبرز الحاجة إلى توازن بين إتاحة الفن للجميع، والحفاظ على دوره النقدي والإنساني، بعيدًا عن الابتذال أو التوظيف التجاري المفرط.
هذا ، وتلعب المؤسسات التعليمية والثقافية دورًا محوريًا في دمقرطة الفن، من خلال إدماجه في المناهج الدراسية، ودعم المبادرات الفنية المجتمعية، وتوفير فضاءات عرض مفتوحة. فإتاحة الفن ليست مسألة تقنية فقط، بل هي خيار ثقافي وسياسي مرتبط بالعدالة الثقافية وحق الجميع في الجمال والمعنى.
إن دمقرطة الفن لا تعني إلغاء النخبة بقدر ما تعني توسيع المجال العام للإبداع، وجعل الفن فعلًا إنسانيًا مشتركًا لا امتيازًا خاصًا. ففي عالم تتسارع فيه الأزمات والانقسامات، يظل الفن أحد أكثر الوسائل قدرة على بناء الجسور، وتعميق الوعي، واستعادة الإنسان لحقه في التعبير والخيال.