facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العاصفة في الخارج .. والرهان في الداخل


م. محمد النجداوي
18-01-2026 04:34 PM

* الأردن في عالم متغيّر

قراءة في التحديات والخيارات

العالم لا يتغيّر بهدوء، ما نشهده اليوم هو إعادة تشكيل قاسية لموازين القوة، تعود فيها العلاقات الدولية إلى منطق الإمبراطوريات، حيث تتراجع القواعد أمام المصالح، وتُدار السياسة العالمية ببرود القوة لا بمنطق القانون، في مثل هذا المناخ، تصبح الدول محدودة الموارد أكثر عرضة للضغط، وأكثر احتياجًا لإعادة التفكير في عناصر قوتها الحقيقية، لا الافتراضية.
ما جرى في فنزويلا لم يكن استثناءً، بل مثالًا صارخًا على الطريقة التي تتعامل بها القوى الكبرى مع الدول الأضعف عندما تتعارض خياراتها مع مصالح تلك القوى، وتجارب أخرى، قريبة وبعيدة، تؤكد المعنى ذاته، في عالم تحكمه القوة، لا تُمنح الحماية مجانًا، ولا يكفي الحياد وحده لضمان البقاء، الدول التي تصمد هي تلك التي تنجح في تعويض ضعفها الخارجي بقوة داخلية متماسكة، وبعلاقة ثقة حقيقية بين الدولة ومواطنيها.

الأردن يقف اليوم في قلب هذا المشهد المعقّد، موقع جغرافي حساس، محيط إقليمي قابل للاشتعال في أي لحظة، ضغوط اقتصادية متراكمة، وتحديات سياسية وأمنية لا يمكن فصلها عن السياق الدولي الأوسع، في مثل هذا الواقع، لا تكفي إدارة السياسة الخارجية بحنكة، فالساحة الحاسمة لم تعد خارج الحدود فقط، بل في الداخل، حيث تُبنى القدرة على الصمود أو تُستنزف.
الحديث عن التماسك الداخلي لم يعد ترفًا سياسيًا أو شعارًا عامًا، بل بات شرطًا من شروط البقاء. غير أن هذا التماسك لا يُصنع بسياسات مؤقتة أو بإدارة أزمات متتالية. إنه يحتاج إلى مسار واضح يعيد الاعتبار لمبدأ العدالة في توزيع الأعباء، ويعيد وصل الجهد بالمكافأة، والمسؤولية بالمحاسبة، بحيث يشعر المواطن أن استقرار الدولة يعني أيضًا حماية كرامته ومستقبله، وأن الشراكة ليست خطابًا موسميًا، بل ممارسة يومية ملموسة.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل أن الفئات الأكثر تضررًا من هشاشة الداخل — الشباب، والطبقة الوسطى، والمناطق الطرفية — هي نفسها الفئات التي يُفترض أن تشكّل خط الدفاع الاجتماعي الأول عن الدولة، حين تُهمَّش هذه الفئات أو تُثقل بالأعباء دون أفق واضح، فإن التماسك لا يتآكل سياسيًا فقط، بل اجتماعيًا ونفسيًا أيضًا، وهو تآكل بطيء لكنه عميق الأثر.

من هنا، تبدو منظومة التحديث السياسي أمام اختبار حقيقي، فإذا بقيت محصورة في القوانين والإجراءات الشكلية، دون أن تُترجم إلى مشاركة فعلية وتأثير حقيقي للمواطن في القرار العام، فإنها تتحول من فرصة للاستقرار إلى عبء إضافي، فالتحديث لا يُقاس بعدد القوانين الصادرة، بل بمدى شعور المواطن بأن صوته مسموع، وأن رأيه قادر على التأثير، لا على الدوران في مسارات مغلقة سلفًا.
في هذا الإطار، تبرز اللامركزية الإدارية، إذا ما طُبّقت بشكل تدريجي ومدروس، كأحد المسارات الأكثر واقعية لتعزيز الاستقرار، فهي ليست مجرد أداة تنموية، بل مدخل للحكم المحلي، يحقق هدفين متلازمين، تمكين المجتمعات من تحديد أولوياتها، وتوسيع دائرة المشاركة وتحمل المسؤولية، فالمجالس المحلية والبلدية ليست أجهزة خدمية فقط، بل فضاءات انتقال من منطق الإدارة إلى منطق الحكم.
غير أن اللامركزية، إن لم تُرفق بصلاحيات حقيقية وموارد واضحة ومساءلة مباشرة أمام المواطنين، تتحول إلى عبء جديد، إدارة محلية بلا أدوات قرار لا تعزّز التماسك، بل تعمّق الإحباط وتُضعف الثقة، وهي نتيجة لا يحتملها بلد يواجه هذا الكم من التحديات.

في زمن عودة الإمبراطوريات، تُدفع الدول الصغيرة إلى خيارات صعبة، إما محاولة تقليد منطق القوة، وهو خيار يفوق قدراتها، أو الدخول في مسارات تنازل مؤلمة تستهلك رصيدها الداخلي، لكن الخطر الأكبر يكمن في الاستمرار بالمسار الداخلي القديم، وكأن العالم لم يتغيّر.
الدول لا تُهزم فقط من الخارج، بل قد تنهار من الداخل إن لم تُجدّد عقدها الاجتماعي، وتُعيد توزيع الأعباء والفرص بعدالة، وتمنح مواطنيها دورًا حقيقيًا في صناعة المستقبل، ويزداد هذا التحدي خطورة مع ضيق الوقت، حيث لم يعد التأجيل سياسة، بل مخاطرة وجودية.

القوة الحقيقية المتاحة للأردن اليوم ليست عسكرية ولا اقتصادية فقط، بل قوة التماسك، والمشاركة، والثقة المتبادلة داخلياً، ومن دون ذلك، تصبح مواجهة العواصف الإقليمية والدولية مسألة وقت لا أكثر.
أما الاستثمار في الداخل، وفي الإنسان، وفي شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع، فليس خيارًا إصلاحيًا عابرًا، بل قرار بقاء في عالم لا ينتظر المترددين، ولا يرحم من يتأخر عن قراءة زمنه.

المهندس محمد سالم النجداوي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :