facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الاستقرار النقدي الأردني: من حماية الاقتصاد إلى تحفيز النمو


د. حمد الكساسبة
18-01-2026 08:03 PM

تميزت السياسة النقدية في الأردن، على امتداد مسارها التاريخي، بنهج مُتوازن واستباقي مكن الاقتصاد الوطني من الصمود في وجه بيئة إقليمية وعالمية اتسمت بالتقلبات وعدم اليقين. وفي قلب هذا الصمود، يبرز الدور الجوهري للبنك المركزي الأردني، المُستند إلى ركيزتين مُتلازمتين تتمثلان في الحفاظ على الاستقرار النقدي (استقرار الأسعار وسعر صرف الدينار) وضمان الاستقرار المالي (سلامة ومنعة القطاع المصرفي) وبما يسهم في ترسيخ الثقة بالاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته على مواجهة الصدمات.

هذا السجل الطويل من قوة الاستقرار النقدي الذي حرص البنك المركزي الأردني على تجسيده تاريخياً، ليس مُجرد انجاز فني، بل هو ركيزة استراتيجية للدولة في كل المراحل والظروف. غير أن أهمية هذا الاستقرار تزداد في المرحلة الراهنة مع توجه السياسات الحكومية نحو الانتقال بالنمو الاقتصادي إلى أفق أوسع، والذي بدأت ملامحه العام الحالي 2026 الذي تراهن عليه الدولة بوصفه محطة مفصلية لإطلاق مشاريع كبرى في البنية التحتية والاستثمار والإنتاج. ففي هذه المرحلة، لا يكفي أن يكون الاستقرار النقدي قائمًا، بل يصبح من الضروري أن يكون قابلًا للتوظيف بما يسهم في تعزيز الاستثمار طويل الأجل، ودعم المشاريع الكبرى، ويضمن قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام. ومن هنا يُبرز تساؤل مشروع: كيف يُمكن للحكومة أن تعمل على تحفيز النمو الاقتصادي بالاستناد إلى هذا الاستقرار؟.

بداية، لا خلاف على أن الاستقرار النقدي يُعد شرطاً أساسياً لجذب الاستثمار، ويكتمل أثره عبر انعكاسه في الثقة المطلقة بالنظام المصرفي والمالي. وفي هذا الاطار، شكلت قوة الاستقرار النقدي والمالي التي جسدها البنك المركزي الأردني علامة فارقة في تعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني، بل ان هذا الاستقرار مقروناً بتلك الثقة بات يُنظر إليه، في ظل محيط إقليمي مضطرب، بوصفه ميزة تنافسية حقيقية للاقتصاد الوطني للاستثمارات التي تبحث عن الأمان والاستمرارية، لا العوائد السريعة فقط، إذ أن هذا الاستقرار يوجه إشارة قوية للمُستثمرين المحليين والدوليين بأن الأردن ملاذ آمن لرؤوس الأموال طويلة الأجل. وكل ذلك يُعد مطلباً أساسيا لنجاح المرحلة المُقبلة، لما يوفره هذا الاستقرار من بيئة قادرة على دعم الاحتياجات الإئنمائية اللازمة لتنفيذ المشاريع الكبرى.

واستكمالاً لهذا الاطار، يبرز بُعد آخر يتمثل في أن البنك المركزي الأردني، بعد أن ضمن أن دورة التشدد النقدي التي انتهجها خلال السنوات الماضية قد حققت أهدافها في احتواء الموجة التضخمية العالمية وحماية القوة الشرائية للمواطنين وجاذبية الدينار، بدأ بالتحول نحو نهج تيسيري من موقع قوة وثقة، لا من باب الاضطرار. ومع التوقعات باستمرار انخفاض أسعار الفائدة في الأسواق العالمية خلال عام 2026، يبرز الأردن كدولة مهيأة للاستفادة من هذا التحول، بما يُتيح للحكومة والقطاع الخاص فرص الحصول على التمويل اللازم لتنفيذ المشاريع الكبرى بكلف أقل. وبذلك، تكون السياسة النقدية قد شكلت رافعة تنموية حقيقية يُمكن للحكومة الاستفادة منها دون الاخلال بالتوازنات الاقتصادية الكلية.

ومن زاوية أخرى، تشكّل البنوك في الأردن كتلة مالية ضخمة تتمتع بسيولة عالية ونسب كفاية رأسمال قوية، وهي ثمرة نجاح البنك المركزي الأردني في الحفاظ على الاستقرار المالي. وبالتالي، فإن الفرصة سانحة لتتدفق الائتمانات المصرفية، لا سيما تلك الموجهة نحو العصب الحيوي للاقتصاد "المشاريع الصغيرة والمتوسطة"، غير أن تعظيم الاستفادة من هذه الفرصة، يتطلب جهداً حكومياً متكاملاً لردم الفجوة بين وفرة السيولة المصرفية واحتياجات هذه المشاريع، وذلك عبر حزمة من الأدوات تشمل تخفيف المخاطر الائتمانية، وتعزيز برامج ضمان القروض، وتسريع إجراءات التقاضي والتنفيذ وتوسيع نطاق المعلومات الائتمانية لتسهيل اتخاذ القرار المصرفي.

وفي الخلاصة، فإن الاستقرار النقدي والمالي في الأردن ليس موضوع نقاش، بل جوهر النقاش ينصب على سبل تعظيم الاستفادة منه وتوظيفه على النحو الأمثل. ومع مضي الحكومة قدما في تنفيذ مشاريع عام 2026 الطموحة، يوفر هذا السجل الطويل من الاستقرار المصداقية اللازمة لجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحفيز النمو الاقتصادي، وتعزيز الثقة بمسار الاقتصاد الوطني. فالقيمة الحقيقية للاستقرار النقدي والمالي لا تكمن في ديمومته فحسب، بل فيما يفتحه من آفاق للنمو، وتوليد فرص العمل، وبناء مستقبل اقتصادي أكثر حيوية، تُرسى على أساسه معالم نهضة الأردن الحديثة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :