الاحتجاجات الإيرانية وانهيار نظرية الأمن .. من الردع الخارجي إلى الانكشاف الداخلي
د. عماد الحمادين
18-01-2026 08:25 PM
تواجه إيران تهديدا وجوديا هو الأسوأ والأصعب منذ الثورة الإيرانية التي قادها آية الله الخميني عام 1979. فالاحتجاجات الإيرانية المستمرة منذ أسبوعين والتي خلفت مئات القتلى الجرحى تتطور بشكل متسارع وفي سياق جيوسياسي بالغ الحساسية. هذه الاحتجاجات وإن لم تكن الأولى من نوعها ضد النظام الإيراني فقد سبقها احتجاجات كثير وقتل في تلك الاحتجاجات أعداد كبيرة أيضا إلا أن ما يميز الاحتجاجات الأخيرة هو تزامنها مع انهيار تدريجي لعناصر القوة والردع التي قامت عليها نظرية الأمن الإيرانية لعقود، والتي شكّلت صمام الأمان للنظام، وأداة نفوذه الإقليمي، ومصدر شرعيته الداخلية.
نظرية الأمن الإيرانية- الأعمدة الأربعة
الدولة الإيرانية قائمة على تنوع عرقي وديني كبير ومساحة شاسعة جغرافيا تحتاج الدولة كي تسيطر عليها إلى أبعاد أمنية غير مسبوقة. قامت النظرية الأمنية الإيرانية على أربعة أعمدة أساسية كانت صمام الأمان لإيران وأعطتها القدرة على المناورة السياسية بأريحية والتأثير على القرارات المهمة في المنطقة.
أول هذه العناصر الدفاع عن البلاد يبدأ من خارج حدود الدولة (العمق الإستراتيجي) لذلك استخدمت البعد الأيديولوجي لتحقيق هذا المبدأ من خلال ولاية الفقيه التي أعطت خامنئي ولاية دينية مقدسة عابرة للحدود على جميع شيعة العالم. استطاعت من خلال هذا البعد العقدي بناء قوات وأذرع بعيدة عن أراضيها وتدين لها بالولاء التام وأنفقت في سبيل ذلك المليارات من أموال الشعب الإيراني، لذلك كان سليماني يتحرك في المنطقة كالملك ولكن بدون التاج. هذه الأذرع تم تحييد كثير منها خلال حرب غزة مثل حزب الله الذراع الأهم لإيران ودرة التاج الإيراني.
العمود الثاني من النظرية الأمنية هي الاستثمار الإستراتيجي في النظام السوري فقد قدرت التكاليف الإيرانية في سورية بحوالي ثلاثين مليار ذهبت أدراج الرياح بعد انتصار الثورة السورية وكذلك انقطعت الإمدادات عن حزب الله وفقدت إيران القدرة على التأثير الجيوسياسي على بلدان الإقليم، وهذا ما جعل إيران تنقم على الحكام الجدد في سورية وتعمل على زعزعة استقرار سورية.
العمود الثالث في النظرية الأمنية الإيرانية هو البرنامج النووي الإيراني أداة الهيمنة الإقليمية الكبرى الذي كان لو نجحت فيه سيجهلها سيد المنطقة بلا منازع وستضطر الدول للتعامل معها كأمر واقع وهذا تم إعادته إلى الوراء سنوات طويلة بسبب حرب ال 12 يوما. الحرب الأخيرة أفقدت إيران استثمارات بالمليارات في هذا البرنامج وأضعفت قدرتها التفاوضية والردعية.
العامود الرابع هو برنامج الصواريخ الإيراني والذي يعتبر بحق وفق المنظور العسكري نجاحا باهرا لأن إيران استطاعت تطوير صواريخ بالستية طويلة المدى ألحقت أضرارا بالغة بإسرائيل في الحرب الأخيرة. وبالرغم من الحصار الطويل إلا أن إيران استطاعت بناء برنامج صاروخي يعبتر سلاح ردع إستراتيجي الأفضل في المنطقة.
من الردع الخارجي إلى الانفجار الداخلي
من خلال هذه النظرية الأمنية استطاعت أيضا إيران حماية الوحدة الداخلية وبناء إجماع وطني نسبي والتفاف حول ولاية الفقيه المقدسة نظرا للنجاحات التكتيكية التي كانت تحققها إيران في المنطقه وفي مفاوضاتها مع الدول الغربية. مدفوعًا بنجاحات تكتيكية خارجية وشعارات "الممانعة". لكن مع انهيار هذه الأعمدة واحدًا تلو الآخر، سقطت معها شرعية النظام الداخلية، وتهاوت نظرية الردع، وبرزت الفجوة العميقة بين الدولة والمجتمع. لذلك تأتي هذه الاحتجاجات في وقت تهاوت فيه نظرية الردع الإيرانية وسقطت معها عناصر التفاف الشعب حول النظام.
في سعيها لمعادلة الردع الخارجية وبناء توازن مع دول المنطقة ومع إسرائيل خاصة فإن إيران أهملت الداخل بشكل واضح. جل الموارد المالية موجهة لخدمة المجهود الأمني والعسكري وخدمة أرباب النظام ولم توجه لخدمة الشعب. فقد ورد أن حرس الثورة الإيراني يسطر على كثير من الموارد المالية وخاصة شحنات النفط التي يبادلها بالمال في تعاملاته الخارجية. العقوبات الاقتصادية الأخيرة والقاسية أدت إلى أن يعمل النظام على توفير بقائه فضلا عن بناء المشاريع للمواطنين. 90 % من النفط تستورده الصين التي تتحكم بالنظام وكيفية الدفع وتبادله مرات مع مواد أخرى غير مالية وكلها تصب في صالح نظام الملالي وليس المواطنين.
أزمة المياه- رمز الفشل الحكومي
النظام الإيراني فشل في إدارة موارد الدولة بشكل واضح وخاصة في أزمة المياه التي أججت الاحتجاجات. إيران تعتمد بشكل كبير على مياه الأمطار والسدود وبعض الأنهار ولكن انقطاع الأمطار والجفاف الذي ضرب البلاد ليس السبب الرئيس لأزمة الشرب فمنذ سنوات عديدة لم يتم إصلاح النظام المائي وبناء سدود جديدة وصيانة لنواقل المياه. ما قام به النظام من تصدير حتى أزمة المياه للخارج حيث اتهم جيرانه العرب وتركيا بانهم يقومون بعمليات الاستمطار الصناعي الذي يمنع الأمطار الطبيعية من السقوط في الداخل الإيراني. أضف إلى ذلك أن انقطاع المياه يعني انقطاع التيار الكهربائي الذي يتم توليده باستخدام المياه الجارية. انقطاع التيار الكهربائي المستمر في بلد نفطي ليس مؤثرا فقط على الحياة المعيشية للناس بل على المنشآت الحيوية والمؤسسات العامة وهذه المشاكل أدت إلى اضطرابات سياسية متهمة النظام بسوء الإدارة وعدم الاهتمام بالحياة اليوميه للشعب.
شعارات المواطنين في المظاهرات الأخيرة عكست غضبا شعبيا على توجيه موارد الدولة إلى جهات خارجية وإقليمية لم تستطع حماية نفسها وبددت موارد الدولة بشكل كبير. حرب الـ12 يوما مع إسرائيل زادت من حدة الغضب على النظام الإيراني من قبل المجتمع بسبب انهيار الشعارات التي كان يتغنى بها النظام وانهيار الأسلحة بشكل دراماتيكي واغتيال القيادات المهمة في البلاد والاختراقات الاستخبارية غير المسبوقة، وهذه عوامل عرّت النظام أمام مواطنيه.
في إدارة ترامب الأولى والثانية تم فرض عقوبات قاسية على إيران ونظامها المالي ونظام الظل الذي تستخدمه في تسيير معاملاتها المالية مما أدى إلى اختناق النظام وعدم قدرته على توفير العملة المحلية. وكذلك ما حدث في فنزويلا وتصريحات الرئيس ترامب التي قد تكون أعطت دفعة للمحتجين وأنصار الخط العلماني. كل هذه العوامل أنتجت أزمة غير مسبوقة للنظام الإيراني وقد تؤدي إلى زواله.
عربيا قد تكون فرصة إسقاط النظام مغرية وفرصة للتخلص من نظام ديني عنصري سبب الكثير من المشاكل للعرب ولم يترك أي أزمة إلا واستغلها لصالحه.
ولكن السؤال هو هل إسقاط النظام فرصة للعرب كما هي لإسرائيل أم أنها نعمة ظاهرة وتأتي النقم في داخلها. هل ستكون إيران ما بعد نظام الملالي موحدة وتدين بالولاء لإسرائيل والغرب أم مقسمة إلى مناطق أثنية وعرقية ودينية وتكون مصدرا للشرور كصندوق باندورا.
"الغد"