الإعلام الهادف في إنسانيته المهنية
خلدون ذيب النعيمي
19-01-2026 02:02 AM
نادية خوري او نادين فنانة عرفها جمهورها بأدوار كان طابعها الحضور الجميل والمعبر برسالته سواء في سلسلة مرايا مع الفنان ياسر العظمة منذ بداية ثمانينات القرن الماضي او في يوميات مدير عام بدور الزوجة البسيطة التي تحاول التوازن بين رضا زوجها الذي اصبح فجأة مدير دائرة حكومية وبين اختها التي تحضها ان تأخذ الدور المخملي الجديد لزوجات المهمين سيدات المجتمع البرجوازي ، نادين رغم انتصافها بالعقد السادس فهي مازالت تملك الطلة الجميلة الصافية بضحكتها الرقيقة مستندة على ارض اعمالها الفنية الهادفة والذي كان رفيقها بها شقيقها الراحل المخرج جورج الخوري فهي ابنة مدينة حمص المتعددة الاطياف التي اشتهرت بجمال فتياتها ورقتهن ، ومن هنا فلا غرابة ان ترى نادين المسيحية تلبس الحجاب في المناسبات الاجتماعية الرمضانية وخلال تقديم واجب العزاء لرفاق المهنة .
نادين لم تكن بخير في لقاءها الاعلامي الاخير مع احد الاعلاميين المخضرمين الذي عرف بأسئلته التي يعتبرها "صريحة" و"تمثل نبض وتساؤلات الجمهور عن فنانهم" ، نادين بكت بقلبها ومشاعرها واحساسها الانساني الانثوي الخاص وان لم تذرف الدمع لحظتها ، نادين ابكت كل من رآها وهي تتعرض لسياط اسئلة أدمت "وحدتها" بعد فراق الاهل بالموت والتهجير وآلمت انوثتها كأي انثى ترى في الزوج والاولاد عكارزاً لها في ارذل العمر ولكن القدر كان له رأي آخر فكان أن وسمت بعذراء الدراما السورية ، نعم جاوبت نادين على اسئلة مضيفها الإعلامي الذي بدا وكأنه يختار ما يجعل لقاءه كمجموعة "ترندات" تساهم بنجاح برنامجه جماهيرياً واعلامياً ، نادين التي اجابته بآهاتها التي خلفها الزمن رأي فيها جمهورها وقتها إنسانة متعبة من كل شيء الا من صدقها في الحديث ، ولكن يا ترى هل رأى فيها مضيفها ذلك بعيداً عن العقلية الإعلامية الاستجوابية المجردة من الجانب الانساني للأعلام .
"انا اعيش لوحدي وخبرت جارتي اذا شميتي رائحة طلي علي بكون وقتها متت" و"الله وحده" ، هاتان الفقرتان كان جوابها بتنهيد واضح من الاعماق حين سألها من يهتم فيك ويطعمك ويرعى شؤون وحدتك ، أجوبة كانت لأسئلة يتحرج السؤال عنها اقرب الناس لاحدهم الذي عاش واقعها ولكن نادين اجابت ، لا اعلم لماذا حضر ببالي وانا اشاهد اللقاء المصور الجنوب الافريقي كيفن كارتر الذي انتظر ان يلفظ احد اطفال المجاعة الافريقية انفاسه ليصور لقطة انقضاض احد النسور عليه في آذار 1993 وحصلت صورته وقتها على جائزة "بولتيزر" المرموقة للتصوير رغم ألمها والضجة الشعبية ، عموماً كارتر انهى حياته بنفسه في تموز من العالم التالي موضحاً في رسالته الأخيرة أن الصدمة والشعور بالذنب والتقصير الذي عانى منه بشدة بسبب حياته المهنية في التقاط صور الحروب والكوارث كانت أكبر مما يحتمل.
لطالما كانت المسؤولية الأخلاقية للأعلام ترتكز بالدرجة الأولى على بعدها الإنساني الذي يكرس مصداقية الأداء والهدف والقبول لدى جماهيره المختلفين بأطيافهم ، وكان لنقل تجارب الافراد في حياتهم الشخصية وفي اوقات الصراعات الدور الكبير في البعد الانساني للأعلام وفي تكوين الراي العام المتضامن مع الضحايا وفق احترام حياتهم الخاصة وبما يضمن لهم الفائدة بعيداً عن جلب الالم الزائد لهم فوق معاناتهم ، وبالتالي تبرز هنا مهنية الاعلام ومهاراته التي تكرس إيجابيته المؤثرة في الميدان بعيداً عن الاتكاء على عقلية الصخب و"الترندات" الفارغة من مضمونها التي لا تغدو في النهاية الا كسحابة صيف بلا أثر ايجابي حقيقي الا من الالم النفسي الذي يلازم متضرريها كأنعكاس لما جرى .