الدولة الفيدرالية ليست بديلاً واقعياً
محمد نور الدباس
19-01-2026 02:38 AM
في ظل تصاعد التصريحات الصادرة عن سياسيين ودوليين تشكّك في جدوى حل الدولتين، يبرز مجدداً طرح الدولة الفيدرالية أو الدولة الواحدة ذات النظام الفيدرالي كبديل مفترض لمعضلة الاحتلال لفلسطين، غير أن هذا الطرح، رغم جاذبيته النظرية، يثير إشكاليات قانونية وسياسية عميقة تستوجب نقاشاً عقلانياً بعيداً عن الشعارات.
فمن حيث المبدأ، تقوم الدولة الفيدرالية على وحدة سيادية واحدة تضم أقاليم أو وحدات مكوِّنة تتمتع بحكم ذاتي، في إطار دستور جامع يقوم على المساواة الكاملة في المواطنة والحقوق والواجبات، لكن تطبيق هذا النموذج في الحالة الفلسطينية ودولة الاحتلال يصطدم بواقع مغاير تماماً، إذ لا يمكن القفز فوق حقيقة أن العلاقة القائمة ليست علاقة شراكة بين كيانين متكافئين، بل علاقة احتلال عسكري طويل الأمد، مقرون بنظام استيطاني وتمييزي ممنهج، فالدولة الفيدرالية تفترض وجود كياناً سيادياً واحداً، ووحدات مكوِّنة (أقاليم/ولايات) تتمتع بحكم ذاتي، ودستوراً جامعاً يقوم على المواطنة المتساوية والحقوق السياسية المتكافئة، وقبولاً متبادلاً بالشراكة في السلطة والثروة والأمن، وفي سياق فلسطين – دولة الاحتلال، يُطرح أحياناً نموذج دولتين (فلسطينية وإسرائيلية) ضمن إطار فيدرالي واحد، أو نموذج دولة واحدة ثنائية القومية ذات نظام فيدرالي.
وقانونياً، فما يزال حل الدولتين يستند إلى مرجعيات دولية واضحة، أبرزها قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وقرارات جامعة الدول العربية وقممها، التي تؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967، أما الطروحات الفيدرالية، فلا تستند إلى أي إطار قانوني دولي مُلزم، ولا تحظى باعتراف أممي، الأمر الذي يجعلها أقرب إلى اجتهادات سياسية منها إلى حلول قابلة للتنفيذ.
أما سياسياً، فتتناقض فكرة الفيدرالية جوهرياً مع البنية الأيديولوجية والقانونية لدولة الاحتلال، التي تكرّس نفسها كـ“دولة قومية لليهود”، وهو ما يتعارض مع أبسط متطلبات الفيدرالية القائمة على المساواة وعدم التمييز. فالدولة الفيدرالية تفترض مواطنة متساوية، بينما يقوم نظام دولة الاحتلال الحالي على تمايز قانوني وحقوقي واضح بين اليهود وغير اليهود، سواء داخل الخط الأخضر أو في الأراضي المحتلة.
كما أن اختلال ميزان القوة بين الطرفين يجعل من الحديث عن فيدرالية أمراً غير واقعي في الظرف الراهن، فالتجارب التاريخية تشير إلى أن النظم الفيدرالية لا تنشأ إلا بعد تسويات سياسية كبرى أو تحولات بنيوية عميقة، أما في الحالة الفلسطينية، فإن الطرف المهيمن لا يبدي أي استعداد للتخلي عن امتيازاته أو إعادة تعريف الدولة على أساس مدني جامع.
ويزداد الأمر تعقيداً في ظل الواقع الاستيطاني القائم، الذي لم يُبنَ على أسس اندماجية، بل على تفتيت الأرض الفلسطينية ومنع قيام دولة مستقلة قابلة للحياة، وإن إدماج المستوطنات في إطار فيدرالي حقيقي يتطلب تفكيك منظومة الامتياز القانوني والأمني التي تتمتع بها، وهو ما ترفضه دولة الاحتلال بشكل قاطع.
مع وجود عقبات بنيوية أمام الفيدرالية؛ فمن ناحية نرى العقبة الأيديولوجية، فدولة الاحتلال تعرّف نفسها دستورياً وسياسياً كـ “دولة يهودية”، بينما الفيدرالية تتطلب مساواة كاملة بين المواطنين، وهذا يتناقض جوهرياً مع قانون القومية لدولة الاحتلال ومع فكرة الامتياز الإثني، وبعبارة أخرى، فالفيدرالية تعني نهاية الطابع الإثني الحصري للدولة، ومن ناحية ثانية نرى اختلال ميزان القوة، فالفيدرالية عادة تنشأ بين أطراف متقاربة في القوة، و/أو بعد تسوية تاريخية شاملة، أما في الحالة الفلسطينية، فهناك علاقة احتلال واستيطان وهيمنة، لا شراكة، والطرف الأقوى لا يملك حافزاً للتنازل عن سيادته أو امتيازاته، ومن ناحية ثالثة نرى الواقع الاستيطاني، فالمستوطنات صُممت لتفتيت الأرض الفلسطينية لا لدمجها، ودمج المستوطنين في إطار فيدرالي يتطلب تفكيك بنية الامتياز القانوني، وإخضاعهم لقانون واحد مع الفلسطينيين، وهذا ما ترفضه إسرائيل عملياً، ومن ناحية أخرى نرى غياب الإجماع الفلسطيني، حتى داخل الساحة الفلسطينية، فالفيدرالية ليست مشروعاً سياسياً متفقاً عليه، ويُخشى أن تتحول إلى غطاء دائم لشرعنة الاحتلال، أو صيغة “دولة واحدة بنظام فصل مقنّع”.
من هنا، فإن طرح الدولة الفيدرالية في هذا التوقيت قد يحمل مخاطر سياسية وقانونية جسيمة، إذ قد يُستخدم كغطاء لإدامة الوضع القائم، أو كصيغة لتصفية الحق الفلسطيني في تقرير المصير تحت مسميات “حلول مبتكرة” أو “واقعية سياسية”، فالفيدرالية، إن قُدّر لها أن تكون حلاً، لا يمكن أن تكون بديلاً عن إنهاء الاحتلال، بل نتيجة لاحقة لتسوية عادلة وشاملة.
فقيام دولة فيدرالية في فلسطين التاريخية يطرح عادةً كبديل نظري في ظل تعثّر أو التشكيك بجدوى حل الدولتين، لكنه يواجه تعقيدات عميقة تجعل تحققه في الواقع الحالي شبه مستحيل، ويمكن مقاربة المسألة من زوايا قانونية وسياسية وواقعية:
وقد يُطرح سؤال هل الفيدرالية مستحيلة مطلقاً؟ والإجابة تكون نظرية بلا، وعملياً في الظرف الحالي بنعم، ولا يمكن تصورها إلا إذا توفرت شروط جذرية، منها؛ انتهاء الاحتلال، وتفكيك نظام الفصل العنصري قانونياً، والاعتراف المتبادل بالمواطنة المتساوية، وتحوّل عميق في البنية السياسية الإسرائيلية، وتوافق وطني فلسطيني على المشروع، ووهي شروط غير متحققة حالياً.
خلاصة القول، إن الدولة الفيدرالية في فلسطين ليست حلاً انتقالياً ولا مخرجاً سريعاً من مأزق حل الدولتين، بل مشروعاً مؤجلاً يفترض شروطاً غير متوافرة حالياً.
أما التخلي عن حل الدولتين دون وجود بديل قانوني واقعي، فإنه لا يخدم سوى تكريس الاحتلال وإعادة إنتاجه بأشكال جديدة. وفي هذا السياق، يبقى التمسك بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وحق العودة، هو الأساس الذي يجب ألا يُفرَّط به تحت ضغط الإحباط أو تغيّر الخطاب السياسي الدولي، والفيدرالية ليست حلاً وسطاً بين الدولتين والدولة الواحدة، بل مشروع ما بعد تسوية، وطرحها الآن، في ظل الاحتلال، قد يكون إما طوباوياً، أو أداة سياسية لتصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية تحت شعار “الواقعية”.