Welcome to drive thru .. مسيرة السلاحف
د.سالم الدهام
19-01-2026 04:08 PM
في ترخيص جنوب عمان هذا اليوم الأحد الثامن عشر من كانون الثاني لعام 2026، وبعد أن تم فحص مركبتي فنيا وحصلت على الـ (O.K)، توجهت إلى مسرب الترخيص من داخل السيارة (drive through) فوجئت بطابور طويل جدا، لكنني توقعت أن تتقدم السيارات بسرعة وينتهي الأمر في غضون ساعة، وكنت قد احتطت لساعة ونصف، لكنني أصبت بالخيبة عندما وجدتني بالكاد أتقدم مسافة ثلاثة أمتار كل ربع ساعة (مسافة سيارة واحدة)، نام الناس أصحاب المركبات واستيقظوا وناموا، وصرنا نتساءل هل كان منسوبو إدارة السير في الداخل يعالجون البيانات اللازمة بالكمبيوترـ أم يبحثون عنها في سجلات ورقية تقبع في سراديب عميقة تحت الأرض، لقد ضاع الكثير من الوقت، واحترقت معه الأعصاب، وامتد الطابور من ذيله دون أن يقصر من رأسه، اضطررت حينها للاتصال بمركز عملي لتحويل المغادرة لمدة ساعتين إلى إجازة لمدة يوم كامل كنت أحوج ما أكون إليه لإنجاز أعمال مهمة...
لم نشاهد أنا ومن معي مسؤولا واحدا يتفقدنا نحن أصحاب المركبات ليبدد حالة الضجر التي سيطرت علينا، أو يمتص مشاعر الغضب التي استبدت بنا، بقينا ساعات طويلة ننظر في وجوه بعضنا نتبادل نظرات البؤس واليأس من أن ننجز ترخيص مركباتنا قبل نهاية الدوام ، بقينا نزحف كالسلاحف بضعة أمتار كل ربع ساعة، كنت أحتاج أحيانا لتنبيه أصحاب المركبات الذين أمامي بالزامور لطول الوقت بين كل حركتين، الأمر الذي يكفي للنوم لمن لديه فائض من الوقت، كان الكثير ينزلون من سياراتهم مشيا على الأقدام لاستكشاف ما يحدث في الأمام ثم يعودون أدراجهم إلى الخلف وهم يحوقلون ويتمتمون، رأيت أحد أصحاب المركبات من كبار السن اضطر لترك سيارته لقضاء حاجة، ذهب وعاد وهو يجهد نفسه بالمشي خشية أن يكون قد تسبب بعرقلة مسير المركبات، لكنه عاد ليجدنا كما تركنا، وفي مشهد آخر ثمة وزوجته نزلا ليستريحا على الرصيف، ومشاهد أخرى لا تليق بمن جاءوا لترخيص مركباتهم تحت شعار (بدون ما تنزل من سيارتك).
ليتنا بقينا كما كنا نتزاحم في الدور، تغص بنا الصالات، على الأقل ربما كانت الأكوام البشرية المتكدسة في الصالات تشعر الجالسين خلف (الكاونترات) بحجم الضغط فيضاعفوا جهودهم لإنجاز مهامهم، أما بقاء المرء في سيارته ضمن مسيرة السلاحف فشكل من أشكال العذاب، وأظن أن غياب المتابعة والرقابة على الميدان، والانفصال عن الواقع لا يصبان في سياق تطوير الخدمات المقدمة للمواطن، فالتنظير شيء والواقع شيء آخر.