facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التطوع عالم وردي!


صفاء جرار
19-01-2026 11:21 PM

حال أن تُذكر كلمة التطوع، تنطلق مخيلة الإنسان وتبدأ في رسم صور جميلة، فها هو طفل يملئ الكون بضحكاته وبيده مجموعة من البالونات الملونة بعد أن زيّن وجهه برسومات تعبّر عما يحبه، وتلك سيدة طاعنة في السن تبتسم وتعبر عن فرحتها بعد تصفيف شعرها من قبل شابة تطوعت بوقتها وخبرتها، وها هو رجل يشكر المتطوعين بعد أن زودوه بطرد غذائي ووسيلة للتدفئة في شتاء قارص نخر برده عظام عائلته، ويهيل بالدعوات والأمنيات بالتوفيق لهؤلاء الشباب ويلحقها بشكر وامتنان لله الذي أرسلهم إليه ليقضوا حاجته ويخففوا كربه. نعم تلك هي الصور التي ترسمها المخيلة، دون صور أخرى، فهل هناك صور أخرى لعالم التطوع؟.

بعد أن تجاوزت رحلتي في عالم التطوع عقدا من الزمن، وجدت أن مخيلة من لم يدخلوا هذا العالم قاصرة عن تصور التطوع بشكله الحقيقي، فهي تظهر جانبا دون الآخر، ليس لزيف الجانب الذي تظهره، ولكن لقلة التحدث عن الجانب الآخر من قبل المتطوعين ذاتهم. أعترف أن هناك جانب وردي جميل جدا في عالم التطوع، فسعادة العطاء تفوق أي سعادة، شعور أن تدرك أنك تصنع فرقا في هذا العالم الذي يملؤه الظلم والألم والحاجة، ودعوة محتاج بعد مساعدته تجعلك تدرك أنك أنت المحتاج وليس الطرف الآخر، فالدعوة الصادقة تكسر كل قواعد البشرية المادية، التي تم غرسها في عقولنا كمعايير للنجاح والتفوق، وتعلّمك بأن الحياة الحقيقية لها قواعد النجاح الخاصة بها، والتي يتربع على عرشها شعور الرضى والامتنان لنعم الله.

لكن هل اللون الوردي هو اللون الوحيد لهذا العالم؟ أذكر أنني دخلت هذا العالم في مرحلة متقدمة نوعا ما من عمري، حيث كنت في بدايات العقد الثالث من عمري، وكانت البداية بنشاط بسيط لم أكن أتخيل أنه سيغير مسار حياتي تماما، ويصبح التطوع جزءا من هويتي وطريقتي في التعريف عن ذاتي! بدأت رحلتي وأنا أحمل ذات الصور الوردية في مخيلتي، وفي كل خطوة من الرحلة، كانت صور أخرى تضاف إلى ألبوم الصور، لتزداد المجموعة تنوعا، وجمالا، وثراء. فما هي تلك الصور؟..

جبر وكسر! تصلك حالة تحتاج المساعدة، فتصبح جزءا من رحلة العلاج، وتلازم تفكيرك، فتنتظر خبر الشفاء والتعافي، وتفرح بعد أن تدرك أن تلك الطفلة قد التحقت بالمدرسة، أو أن ذاك الشاب قد أنهى دراسته الجامعية بعد مرور ثمانية أعوام على علاجه. ويحدث أن تصلك حالة، يقف الطب عاجزا عن مساعدتها، أو لا تنطبق عليها المعايير، أو يختار الله ألا يكون العلاج شفاء، فتحزن ولا يكون منفذك إلا الإيمان بأن قدرة الله ومشيئته فوق كل شيء، فتكمل الرحلة وقد انكسر شيء في داخلك، يجبره الله بفرحة نجاح آخر، وتخليص أطفال آخرين من ألمهم!.

انشغال والتزام! يشغل التطوع وقتك، ويضيف لك قيمة في حياتك، ويحدث أن تتراكم المهام الأخرى، فهناك مهام عملك الشخصي، ومهام اجتماعية، ومهام ذاتية، لكن التطوع أصبح التزاما لا مفر منه، فهناك أشخاص يعتمدون عليك وينتظرون أن تكون سببا في تخفيف ألمهم ومصاعب الحياة التي يواجهونها. تختار أن تفي بالالتزام، حتى وإن تطلب ذلك بذل مزيد من الجهد وأنت في أسوأ حالاتك الجسدية والنفسية، وتدرك لاحقا أنه قد مر الوقت دون أخذ إجازة وتتعجب من قدرتك على الاستمرار، فيأتي الجواب بأن تلك بركة الدعوات، واستجابة لدعوتك المستمرة "اللهم استخدمنا ولا تستبدلنا".

أرزاق وأقدار! يكسر التطوع والعمل الخيري قواعد الحياة، ويغير مفاهيمك الدنيوية، حالة تجتمع فيها كل المعايير التي تشجع المتبرع على التبرع، طفل بريء بصورة تخطف القلوب، تكلفة علاجه ليست بالكبيرة، والتدخل العلاجي سيغير حياته بشكل كبير بإذن الله، تتوقع أن تتم تغطية الحالة بسرعة منقطعة النظير، ولكن الأرزاق لا تخضع لمعاييرنا، فيتأخر التبرع، ويأتي بقدر! ثم تأتي حالة بمبلغ كبير، تقلق بشأنه، الأهل لا يوافقون على نشر الصورة، والحالة غير معروفة لدى الكثيرين، ولا يدركون أبعادها وأثرها على حياة الطفل، ولا رابط شخصي معها، فتنقطع الأسباب الدنيوية، وتتوقع صعوبة تغطيتها، لكن التبرع يأتي بسرعة حتى قبل أن تعلن عن حاجته! يتعزز إيمانك بأن الأرزاق والأقدار تجري بقواعد ربانية لا يدركها العقل البشري، ومهمتك الوحيدة هي السعي والنتائج هي شأن الرزّاق!.

مواقف ورسائل! تمر بضائقة صحية، تنتظر نتائج الفحص، فيسيق الله لك طفلة تعاني ذات المرض الذي تخشى أن تشير الفحوصات إلى إصابتك به. تنظر إليها، قوية، ومبتسمة، وضاحكة رغم الألم والضعف، تقف خجلا من ذاتك، كيف لي أن أجزع من قدر الخالق، وألا أتذكر نعمته عليّ دائما؟ تأتي رسائل الله من خلال التطوع وتربط على قلوبنا في أشد الأوقات وأصعبها!.

امتنان وتمنن! كثيرة هي اللحظات التي غمرني فيها المتبرعون بتواضعهم، وبلطفهم، وبتقديرهم للجهود، وبامتنانهم لمساعدتهم من خلال فتح باب للخير يثقون به، وتلك اللحظات التي أعادوا لي فيها الأمل برؤيتهم يتسابقون على تقديم العون، حتى وإن كان بمبلغ بسيط، وقد يكون جزءا كبيرا مما يملكون. وتمر بعض اللحظات التي تتقاطع الطريق فيها مع متبرع يشعرك بالمنًة والتعالي، وبأنه تفضَل عليك بتبرعه، وبأنه من المعيب ألا تعطيه جلّ اهتمامك فتجيبه في ذات اللحظة دون تردد، وتلبي رغبته في استلام تبرع دون مراعاة لوقتك أو مشاغلك، أو الأخذ بعين الاعتبار أنك تعمل بوظيفة إلى جانب عملك التطوعي، ويجد في قول كلمة "عفوا" عبئا كبيرا. تلك اللحظات تمر مرور الكرام، والجانب المضيء يطغى على الجانب المظلم، وأحمد الله على ذلك!.

إلهام وملل! يتوسع عملك التطوعي، وتكبر دائرته، فتجد نفسك محصورا بالعمل المكتبي، دون احتكاك بأرض الواقع. بمرور الوقت يصبح عملا روتينيا، وتبدأ بنسيان أهميته، وقد يتسرب الملل والتعب إلى روحك وذهنك. لسبب ما، تعود للميدان، تعود لرؤية أثر العمل الذي تقوم به على أرض الواقع، تتجدد شعلة العطاء، وتُشحن الهمم، وتستمر في الرحلة بعزم ونشاط وإصرار. وتتعلم درسا مهما في الحياة، بأن تسأل نفسك "ما الذي جعلني أبدأ هذه الرحلة" كلما راودتك نفسك بالتوقف والانسحاب.

غايات مختلفة! يدخل عالم التطوع أشخاص لغايات مختلفة، فمنهم من يدخله لملء الفراغ، وأخرى لرغبتها في العطاء، وآخر لرغبته في بناء العلاقات، أو اكتساب مهارات وتنميتها، وبعضهم لبناء تاريخ مهني يساعدهم على دخول سوق العمل المدفوع. على اختلاف غاياتهم، هي غايات مشروعة، ومقبولة وتصب في خدمة المجتمع، تنفع ولا تضر، إلا أن دخول هذا العالم لغايات المراءة والشهرة، أو لغايات الكسب بغير حق، هو جريمة في حق أنفسهم قبل أن تكون جريمة في حق المجتمع، وأثرهم قد يكون مدمرا في حال نجح في تدمير ثقة فئة كبيرة في عالم التطوع، أو ساهم في سلب حقوق المحتاجين، وخيانة ثقة المتبرعين والداعمين! لكن ما يميز هذا العالم، بأنه ينبذ من كانت نواياهم غير صادقة وحقيقية، فلا يلبثوا أن يغادروه دون عودة!.

تخيير واختيار! تبدأ رحلتك التطوعية ظانا أنك قد اخترت هذا الطريق، عن سبق إصرار، وتمضي بها فتدرك أن الله قد اختارك، وليس العكس! تعلم أنه كتب لك أن تكون سببا من أسباب التغيير، حتى وإن كان صغير القدر بمقاييس الحياة، لكنه والله أعلم كبير بمقاييس خالق هذا الكون ومسيّر الأمر. فتحمده وتشكره على هذه النعمة، وتدعوه أن تدوم طالما في العمر بقية!

بصوره المختلفة المتعددة، التطوع ليس عالم وردي! بل هو عالم يأتي بأطياف سبعة، يشّع نورا ساطعا في الأغلب، ولكنه لا يخلو من جزء مظلم، يمر كطيف خجول في بعض الأحيان. ليس ندما، ولكن كنت أتمنى لو تعرّفت على هذا العالم منذ مدة أطول، فكل لحظة في الرحلة زادتني وعيا، وإيمانا، ونضوجا، وتقديرا لنعم الله..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :