تطوير آليات العمل الحزبي .. مدخلٌ حقيقي لخدمة الصالح العام
محمد نور الدباس
20-01-2026 12:28 AM
لم يعد العمل الحزبي، في السياقات السياسية المعاصرة، مجرد ترفٍ ديمقراطي أو ممارسة نخبوية محصورة في مواسم الانتخابات، بل أصبح ركيزة أساسية من ركائز بناء الدولة الحديثة، وأداة رئيسية لتحقيق الصالح العام إذا ما أُحسن تنظيمه وتطوير آلياته، غير أن التجربة الحزبية في العديد من الدول العربية، ومنها الأردن، ما تزال تعاني من اختلالات بنيوية ووظيفية تُضعف أثرها المجتمعي وتحدّ من قدرتها على التأثير في السياسات العامة.
أولى هذه الإشكاليات تتمثل في ضبابية وظيفة الحزب السياسي، فكثير من الأحزاب لا تزال أسيرة الخطاب العام والشعارات الفضفاضة، دون أن تنجح في تقديم نفسها كفاعلٍ جاد في إنتاج الحلول وصناعة القرار، أي إن الحزب، في جوهره، ليس معارضة دائمة ولا موالاة مطلقة، بل مؤسسة سياسية مهمتها التعبير المنظم عن مصالح المجتمع، وترجمتها إلى برامج وسياسات قابلة للتنفي.و لا بد من الانتقال من مفهوم الحزب كأداة للمنافسة الانتخابية فقط إلى كونه منصة لبلورة المصلحة الوطنية العامة، وكونه قناة مؤسسية لتمثيل المواطنين وصياغة السياسات العامة، وكونه مدرسة لتأهيل القيادات السياسية، وللحزب دور في تطوير البناء الداخلي للأحزاب من خلال الديمقراطية الداخلية، وانتخاب القيادات بشكل دوري وشفاف، وتحديد مدد زمنية لشغل المواقع القيادية، وتفعيل دور القواعد الحزبية في صنع القرار.
كما أن ضعف الديمقراطية الداخلية يشكل عائقًا رئيسيًا أمام تطور العمل الحزبي، فغياب التداول الحقيقي على المشاركة في السلطة، واحتكار القرار من قبل نخب محدودة، يفقد الأحزاب مصداقيتها ويجعلها منفصلة عن قواعدها، لا يمكن لحزبٍ يدّعي الدفاع عن الديمقراطية أن يمارس الإقصاء داخل صفوفه، أو أن يغيب عنه مبدأ المساءلة والشفافية، فعلى الحزب تطبيق مبادىء الحوكمة والنزاهة من خلال اعتماد أنظمة مالية واضحة وخاضعة للتدقيق، والإفصاح عن مصادر التمويل، ومدونات سلوك ملزمة للأعضاء والقيادات، فيجب على الحزب تطوير الأداء البرلماني للحزب عبر تشكيل كتل برلمانية منضبطة ببرنامج الحزب، وعبر تقديم مشاريع قوانين مبنية على دراسات أثر، وعبر ممارسة رقابة فعالة ومسؤولة على السلطة التنفيذية، وعليه تأهيل الكوادر وبناء القدرات من خلال برامج تدريب مستمرة في العمل البرلماني، وفي إعداد السياسات العامة، وفي الاتصال السياسي، وفي إدارة الحملات الانتخابية، وفي تمكين الشباب والنساء ضمن مواقع صنع القرار لا كواجهة شكلية.
ومن أبرز التحديات كذلك، الفجوة القائمة بين الأحزاب والمجتمع، فضعف الحضور الميداني، وانقطاع التواصل مع هموم المواطنين اليومية، جعلا الأحزاب في نظر كثيرين كيانات بعيدة عن الواقع، لا تمثل تطلعات الناس ولا تعكس أولوياتهم، فالعمل الحزبي الفاعل هو ذاك الذي ينغمس في قضايا البطالة والفقر والتعليم والصحة، لا أن يكتفي بإصدار البيانات أو إدارة الخلافات السياسية المجردة، ومن هنا فالأحزاب مطالبة بتعزيز العلاقة مع المجتمع عبر الانفتاح المجتمعي، وعبر بناء قنوات تواصل دائمة مع النقابات، الشباب، المرأة، والمجتمع المدني، وعبر العمل الميداني والخدمي دون توظيف انتهازي، ومطالبة ب استعادة الثقة العامة عبر خطاب عقلاني غير إقصائي، وعبر الاعتراف بالأخطاء وتقديم بدائل، وعبر الابتعاد عن الشخصنة والصراعات الداخلية.
ولا يمكن إغفال أهمية الانتقال من الخطاب الأيديولوجي العام إلى العمل البرامجي المتخصص، فالمواطن اليوم لا يبحث عن شعارات كبرى بقدر ما يبحث عن حلول عملية وممكنة، والأحزاب مطالبة بتطوير برامج اقتصادية واجتماعية مدروسة، تستند إلى بيانات واقعية ورؤى قابلة للتطبيق، وتُعرض على الرأي العام بوضوح وشفافية، فعلى الحزب الانتقال من الشعارات إلى البرامج من خلال إعداد برامج سياسية واقتصادية واقعية قابلة للتنفيذ، ومن خلال ربط البرامج باحتياجات المجتمع الفعلية (البطالة، التعليم، الصحة، الحوكمة)، ومن خلال الاستعانة بالخبراء ومراكز الدراسات بدل الاكتفاء بالخطاب التعبوي، وعلى الحزب تحديث الخطاب السياسي والإعلامي عبر الانتقال من الخطاب العاطفي إلى الخطاب البرامجي، وعبر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بوعي ومسؤولية، وعبر مواجهة الأخبار المضللة بالحجة والمعلومة.
أما على صعيد العلاقة مع الدولة، فإن تطوير العمل الحزبي يقتضي ترسيخ مفهوم المعارضة المسؤولة، القائمة على النقد الموضوعي وتقديم البدائل، لا على الهدم أو الشعبوية، فالأحزاب القوية لا تُقاس بحدة خطابها، بل بقدرتها على التأثير الإيجابي في السياسات العامة وحماية المصلحة الوطنية، فالعلاقة مع الدولة والنظام السياسي يجب أن تقوم على احترام الدستور وسيادة القانون، وعلى تبني معارضة بنّاءة لا هدامة، وعلى القبول بمبدأ التداول السلمي للسلطة، وضمان البيئة التشريعية الداعمة من خلال المطالبة بقوانين أحزاب وانتخاب تشجع العمل البرامجي لا الفردي، ومن خلال ضمان عدالة التمويل وتكافؤ الفرص، ومن خلال حماية العمل الحزبي من الوصم الاجتماعي أو التضييق غير المبرر.
في المحصلة، فإن تطوير آليات العمل الحزبي هو شرطٌ لا غنى عنه لتعزيز الحياة السياسية وتحقيق الصالح العام. ويتطلب ذلك إرادة حزبية داخلية للإصلاح، وبيئة تشريعية داعمة، وثقافة مجتمعية تؤمن بأن الحزب ليس تهديدًا للدولة، بل شريكٌ أساسي في بنائها، وغير ذلك، سيبقى العمل الحزبي يدور في حلقة مفرغة، بعيدة عن طموحات الناس وحاجاتهم الفعلية، لأن إن تطوير آليات العمل الحزبي ليس ترفًا سياسيًا، بل شرطٌ أساسي لبناء دولة القانون والمؤسسات، والحزب القوي هو الذي ينحاز للصالح العام قبل مصالحه التنظيمية، ويقاس نجاحه بقدرته على تحسين حياة الناس لا بعدد مقاعده فقط (مع عدم نكران أهمية هذا المؤشر).