لم يعد السؤال المتداول في الأوساط السياسية هو: ماذا يفعل دونالد ترامب؟ بل بات السؤال الأعمق والأخطر: ماذا يريد؟ فالرجل سواء كان في السلطة أو خارجها، لم يتعامل يوما مع السياسة بوصفها إدارة توازنات أو احترام قواعد دولية، بل بوصفها ساحة صدام مفتوح تحسم بالقوة والابتزاز وكسر الخصوم نفسيا قبل كسرهم سياسيا.
ترامب لا يؤمن بفكرة "النظام الدولي" كما تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، ولا يعترف عمليا بشرعية المؤسسات الدولية ولا بالقانون الدولي إلا بقدر ما يخدم المصلحة الأمريكية الضيقة كما يراها هو، ومن هنا فإن مواقفه التي بدت صادمة للبعض، من إعلانه دعم "رئيس بديل" لفنزويلا، إلى حديثه الصريح عن الاستيلاء على غرينلاند، وتشكيله "مجلس السلام" في غزة، وصولا إلى تهديده العلني بتغيير نظام الحكم في إيران، ليست زلات لسان ولا نزوات شخصية، بل ملامح مشروع سياسي واضح المعالم.
في فنزويلا لم يكن الهدف نشر الديمقراطية أو حماية الشعب الفنزويلي، كما ادعت واشنطن، فالهدف الحقيقي كان كسر نموذج دولة خرجت عن بيت الطاعة الأمريكي في أمريكا اللاتينية، والسيطرة غير المباشرة على أحد أكبر احتياطات النفط في العالم، فقد تعامل ترامب مع فنزويلا كملف اقتصادي-أمني، لا كدولة ذات سيادة.
أما غرينلاند فالقضية أعمق من "شراء جزيرة"، فحديثه الصريح عن الاستحواذ على أراض تابعة لدولة حليفة يعكس عودة التفكير الإمبراطوري بوجهه العاري. غرينلاند تمثل موقعا استراتيجيا بالغ الحساسية في صراع القوى الكبرى، خصوصا مع ذوبان الجليد وفتح طرق تجارية وعسكرية جديدة في القطب الشمالي، وهذا يؤكد أن لا مكان للأعراف أو التحالفات، بل فقط لمنطق السيطرة.
وفي إيران تتجلى الصورة بأوضح أشكالها، فترامب لا يستخدم ملف حقوق الإنسان إلا كذريعة، والهدف الحقيقي هو إخضاع إيران أو إسقاط نظامها ضمن مشروع أوسع لإعادة رسم توازنات الشرق الأوسط، وضرب النفوذ الصيني والروسي، وضمان تفوق إسرائيل دون الدخول في حروب أمريكية مكلفة. إنها سياسة "الضغط الأقصى" التي لا تعترف إلا بلغة العقوبات والتهديد والاختناق الاقتصادي.
السؤال الحاسم: هل نحن أمام شرطي العالم الجديد؟
الجواب: نعم.. ولكن ليس شرطيا يحرس النظام، بل وصيا يفرضه بالقوة.
ترامب يمثل انتقالا خطيرا من عالم تحكمه -ولو شكليا- القواعد، إلى عالم تحكمه العضلات.. عالم تصبح فيه السيادة مشروطة والشرعية انتقائية والقوة هي الحكم الأخير.
الأخطر من ترامب نفسه هو ما كشفه أن النظام الدولي أضعف مما كنا نظن، وأن القيم التي طالما رفعت كشعارات يمكن التخلي عنها فور تعارضها مع المصالح. ترامب لم يخلق هذا الواقع لكنه عبر عنه بقباحة سياسية غير مسبوقة، لهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا يريد ترامب؟ بل هل العالم مستعد لمواجهة هذا النموذج، أم أننا دخلنا بالفعل عصر "الوصي الأمريكي" بلا أقنعة؟