رسالة إلى طلبة الجامعات: 40 عامًا في التعليم العالي وما تعلّمته عن بناء العقل
أ. د. هاني الضمور
20-01-2026 02:05 PM
أكتب إليكم هذه الرسالة لا من موقع الأستاذ الذي يقف خلف المنصة، ولا من موقع الخبير الذي يقدّم النصائح من علٍ، بل من موقع الشاهد الذي أمضى أكثر من أربعين عامًا في رحاب التعليم العالي، بين قاعات الدرس ومختبرات البحث، وبين عقول شابة امتلأت حلمًا وأخرى أثقلها الخوف أو التردد. أكتب إليكم لأنني، بعد هذا العمر المهني الطويل، صرت أكثر يقينًا بأن أعظم ما يمكن أن تقدّمه الجامعة لطلابها ليس المعلومة، بل القدرة على التفكير، وليس الشهادة، بل البوصلة الفكرية التي ترافق الإنسان طوال حياته.
أبنائي وبناتي، اجعلوا أنفسكم كالصقور التي منحها الخالق قوّة البصر، فترى فريستها من بعيد وتحدّد هدفها بثبات ودقة. الصقر لا ينشغل بما تحت قدميه، ولا يرضى بالرؤية القريبة، بل يحلّق عاليًا ليرى الصورة كاملة. وكما وهب الله هذا الطائر حدّة النظر، فقد وهبكم أنتم نعمة أعظم وأخطر في آن واحد: نعمة العقل. هذا العقل لم يُخلق ليكون مستودعًا للحفظ، ولا أداة لتكرار ما قيل، بل طاقة للبحث، ووسيلة للفهم، وسلاحًا للتمييز بين الحق والزيف، وبين العلم الحقيقي والمعرفة السطحية.
لقد رأيت، عبر عقود طويلة من التدريس، طلابًا متفوّقين في الامتحانات، لكنهم ضعفاء في التفكير، ورأيت آخرين لم يكونوا الأوائل في الدرجات، لكنهم امتلكوا الجرأة على السؤال، فصنعوا لأنفسهم مسارات متميزة في الحياة والعلم. الجامعة، في جوهرها، ليست قاعة محاضرات ولا منصة إلكترونية ولا كتابًا رقميًا، بل مساحة لإعادة تشكيل العقل. وكلما تعامل الطالب مع الجامعة على أنها مجرّد محطة للحصول على شهادة، خسر جزءًا ثمينًا من فرصته في بناء ذاته.
أبنائي، لا تجعلوا من أنفسكم متلقين صامتين ينتظرون الإجابة الجاهزة. لا تنتظروا من الأستاذ أن يضع الحقيقة بين أيديكم كاملة ومصقولة. فالحقيقة، في عالم العلم، لا تُعطى جاهزة، بل تُبنى خطوة خطوة، وتخضع للنقد والمراجعة. اسألوا أساتذتكم، ناقشوهم، خالفوهم باحترام، وفتّشوا في خلفيات الأفكار لا في عناوينها فقط. فالعلم الذي لا يُناقش يتحوّل إلى عقيدة جامدة، والمعرفة التي لا تُفكّر تفقد معناها.
تعلمتُ خلال مسيرتي أن أخطر ما يهدد الطالب الجامعي هو الخوف من الخطأ. كثيرون يفضّلون الصمت على المغامرة الفكرية، ويفضّلون الإجابة الآمنة على السؤال الصعب. لكن اسمحوا لي أن أقولها لكم بوضوح: الخطأ في طريق البحث بداية الحكمة، أما الصمت العقلي فبداية الجمود. لم أندم يومًا على طالب أخطأ وهو يحاول أن يفهم، لكنني رأيت كثيرين خسروا أنفسهم لأنهم اكتفوا بالحفظ والامتثال، فمرّت سنوات الجامعة عليهم دون أن تترك أثرًا حقيقيًا في عقولهم.
أدرك تمامًا أن زمنكم مختلف، وأن العالم يضغط عليكم بسرعة غير مسبوقة. التعليم الرقمي، والمنصات الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، جعلت الوصول إلى المعلومة أسهل من أي وقت مضى. لكن انتبهوا، فليس كل ما هو متاح معرفة، وليس كل ما هو سريع فهمًا. أخشى عليكم من أن تتحولوا إلى مستهلكين أذكياء للمحتوى، لا منتجين للأفكار. الشاشة قد تنقل المعلومة، لكنها لا تبني عقلًا ناقدًا، ولا تصنع وعيًا، ما لم تبذلوا أنتم جهد التفكير والتحليل والربط.
الجامعة الحقيقية لا تختبر قدرتكم على الحفظ، بل قدرتكم على الفهم. لا تقيس نجاحكم بعدد الصفحات التي قرأتموها، بل بقدرتكم على تحويل ما قرأتموه إلى أسئلة، ومشكلات، وأفكار جديدة. لذلك، أنصحكم أن تنظروا إلى البحث العلمي لا بوصفه متطلبًا ثقيلًا أو عبئًا دراسيًا، بل بوصفه تدريبًا على الحرية العقلية. البحث يعلّمكم كيف تشكّكون، وكيف تتحققون، وكيف تبنون رأيًا يستند إلى الدليل لا إلى الانطباع.
أبنائي وبناتي، حلّقوا عاليًا بفكركم، ولا ترضوا بالرؤية القريبة. لا تجعلوا همّكم اجتياز الامتحان فقط، بل فهم ما وراء السؤال. لا تفرحوا بالمعلومة السهلة، بل اسألوا عن معناها وحدودها. فبالعقل تُبنى الأمم، وبالعلم تتحقق الغايات، وبالوعي النقدي تُصنع الحضارات. المجتمعات لا تنهض بعدد الجامعات ولا بكثرة الشهادات، بل بنوعية العقول التي تتخرّج منها.
لقد رأيت، خلال أربعين عامًا، كيف يمكن لجامعة واعية أن تصنع قادة فكر، وكيف يمكن لتعليم قائم على التلقين أن يُخرّج أجيالًا تبحث عن الأوامر لا عن المبادرة. لا تسمحوا لأحد أن يحوّلكم إلى أرقام في سجل، أو متلقين في منصة، أو حفظة لمحتوى سرعان ما يُنسى. كونوا شركاء في المعرفة، لا مستهلكين لها فقط. اجعلوا من كل محاضرة فرصة للتفكير، ومن كل فكرة بوابة لسؤال جديد.
وفي الختام، أقول لكم ما تعلّمته بعد عمر طويل في التعليم: الشهادة قد تفتح لكم باب الوظيفة الأولى، لكنها لا تصنع مستقبلكم. الذي يصنعه حقًا هو عقل حرّ، وضمير معرفي، وشجاعة فكرية لا تخاف من السؤال ولا من الاختلاف. إذا غادرتم الجامعة بعقلٍ يسأل، وروحٍ تبحث، وبصيرةٍ ترى أبعد من اللحظة، فاعلموا أنكم لم تدرسوا فقط، بل بدأتم رحلة صناعة أنفسكم ومستقبلكم. وهذا، في تقديري بعد أربعين عامًا من الخبرة، هو أعظم ما يمكن أن تقدّمه الجامعة لأبنائها.