تعيين رؤساء البلديات الكبرى وبلديات الفئة الأولى 1
أ.د. مصطفى محمد عيروط
20-01-2026 04:10 PM
لم يعد الجدل حول تعيين أو انتخاب رؤساء البلديات الكبرى وبلديات الفئة الأولى جدلًا نظريًا أو سياسيًا، بل أصبح قضية أداء وخدمات وديون وتنمية محلية، تهم المواطن مباشرة في نظافة مدينته، وتنظيم شوارعها، وقدرتها على الاستمرار دون إثقال كاهل الدولة.
لقد خاض الأردن تجربة واضحة ما بين عامي 2003–2007، حين جرى تعيين رؤساء البلديات ونصف أعضاء المجالس البلدية، وكانت لي تجربة مباشرة كعضو مُعيَّن في بلدية الزرقاء. يومها، أثبتت تلك المجالس أن المُعيَّن لا يبحث عن شعبية انتخابية، ولا يخضع لمجاملات أو ضغوط أو مناطقية، بل يعمل بعقلية الإنجاز، ويتابع القضايا التي تهم الجميع، بغض النظر عن الانتماءات أو أماكن السكن. ولهذا، نجحت البلديات آنذاك نجاحًا ملموسًا في الأداء والخدمات
.
واليوم، تتكرر التجربة الإيجابية بصورة أوضح مع تعيين رؤساء اللجان البلدية في عدد من البلديات الكبرى والفئه الاولى ، مثل الزرقاء، وإربد، والرصيفة. وخلال فترة زمنية قصيرة، ظهرت نتائج عملية لا يمكن إنكارها، تمثلت في رأيي وكما اسمع
وقف التوسع في المديونية المرتفعة
الضبط الإداري والانضباط الوظيفي
تعزيز المتابعة الميدانية اليومية
تحسين التحصيل المالي
انعكاس مباشر على مستوى الخدمات من نظافة وتعبيد وتنظيم
وفي بلدية الزرقاء تحديدًا كما علمت ، استطاع رئيس لجنة البلدية خلال أشهر قليلة تحقيق تحصيل مالي ضمن واجبات البلدية، مكّنها من الاعتماد على نفسها في دفع الرواتب، والبدء بإغلاق جزء من الديون المتراكمة التي تُقدّر بنحو 110 ملايين دينار، إلى جانب العمل بشفافية، والتخطيط للمستقبل، واتخاذ قرارات إدارية واضحة دون مجاملة لأحد.
ومن يتجول ميدانيًا،مثلي ويسمع من المواطنين وأصحاب المحال، يلمس الفرق. فتنظيم شارع الملك الحسين (شارع السعادة)، وإزالة البسطات، والسماح بالوقوف وفق مدد زمنية محددة، مع التنبيه إلى الرقابة الإلكترونية، أعاد الانسيابية والراحة للجميع، وحقق العدالة في استخدام الطريق العام.
فالتعيين ليس ضد الديمقراطية
ومن المهم التأكيد أن التعيين في البلديات الكبرى والفئة الاولى برأيي ليس نقيضًا للديمقراطية، بل قد يكون حلًا مرحليًا إصلاحيًا عندما تكون بعض البلديات مثقلة بالديون، أو تعاني ضعف الأداء، أو تخضع لحسابات انتخابية ضيقة قد تعيق اتخاذ القرار. فالديمقراطية الحقيقية التي نعرفها ونتابعها عالميا تُقاس بالنتائج والخدمة والعدالة،
وفي هذا الإطار، فإن تعيين رؤساء البلديات الكبرى وبلديات الفئة الأولى مثل:
الزرقاء، الرصيفة، إربد، بني كنانة، الرمثا، بني عبيد، السلط، والكرك، لفترات زمنية محددة، مع رقابة صارمة وتقييم أداء واضح، سيخدم المواطن مباشرة، ويوفر على الدولة أعباء مالية كبيرة، ويعيد للبلديات دورها الحقيقي.
فالتجربة الأردنية أن تمت في تعيين رؤساء بلديات كبرى وبلديات الفئه الاولى ليست استثناءً، فالعالم كما سمعت يطبق نماذج مشابهة بنجاح
:
فرنسا: تعيّن الدولة مفوضين إداريين لإدارة المدن الكبرى عند وجود أزمات مالية أو إدارية، لضمان الانضباط والكفاءة.
ألمانيا: تعتمد بعض الولايات على تعيين مديري مدن محترفين (City
Managers) لإدارة البلديات الكبرى، ويُحاسبون وفق مؤشرات أداء دقيقة.
اليابان: تلجأ إلى تعيين قيادات بلدية تنفيذية في المدن الصناعية والاقتصادية الكبرى لضمان الاستقرار وجذب الاستثمار.
سنغافورة: تُدار البلديات بعقلية إدارية صارمة، حيث يتم تعيين قيادات كفؤة تخضع لمساءلة شديدة، ما جعل خدماتها من الأفضل عالميًا.
في هذه الدول، لم يكن النجاح في طريقة الوصول إلى المنصب، بل في الحوكمة، والمساءلة، والكفاءة، وربط المنصب بالإنجاز.
نحو بلديات تنموية لا خدمية فقط
إن الهدف من تعيين رؤساء البلديات الكبرى ليس الإدارة اليومية فقط، بل تحويل البلديات إلى مؤسسات تنموية:
تستقطب الاستثمار
تعتمد على ذاتها ماليًا
تخطط للمستقبل
تخدم جميع المواطنين بعدالة
وأي رئيس بلدية لا ينجح خلال عام واحد، يجب تغييره دون تردد، فالموقع تكليف لا تشريف، والمواطن لا يحتمل مزيدًا من التجارب الفاشلة.
ولعل نموذج أمانة عمّان الكبرى دليل واضح على أن الإدارة المهنية، والتخطيط، والاستقلال المالي النسبي، قادرة على إحداث فرق حقيقي عندما تتوفر الإرادة الناجحه والكفاءة.
وفي رأيي فإن التعيين المدروس لرؤساء البلديات الكبرى وبلديات الفئة الأولى هو خيار إصلاحي يخدم المواطن والتنميه و واقعي في هذه المرحلة، يخدم المواطن أولًا، ويعيد للبلديات هيبتها ودورها، ويمهّد لاحقًا لمشاركة ديمقراطية ناضجة، قائمة على الإنجاز والثقة، لا على الوعود والشعارات.