الدعوة الأميركية للأردن: مقاربة محسوبة لما بعد حرب غزة
د. خالد العاص
20-01-2026 09:01 PM
يشكّل تلقي جلالة الملك عبدالله الثاني دعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب للانضمام إلى "مجلس السلام" في غزة تطورًا سياسيًا لافتًا في مقاربة إدارة مرحلة ما بعد الحرب في القطاع، ويضع الأردن أمام معادلة دقيقة تتقاطع فيها الاعتبارات الإقليمية مع ثوابت السياسة الخارجية الأردنية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وحدود الدور الدولي في إدارتها، والحفاظ على أفق الحل السياسي القائم على حل الدولتين.
وتعكس الدعوة إدراكًا أميركيًا للدور الأردني بوصفه "فاعلًا موثوقًا" في ملفات الاستقرار الإقليمي، ووسيطًا يمتلك رصيدًا سياسيًا وأخلاقيًا في القضية الفلسطينية، بحكم الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، والعلاقة التاريخية مع الفلسطينيين، وموقع الأردن في معادلات التوازن الإقليمي. غير أن هذا التقدير لا يلغي حساسية الانخراط في إطار دولي يتوقع أن يشرف على إدارة مؤقتة لقطاع غزة في ظل اتفاق هش لوقف إطلاق النار، ما يجعل طبيعة التفويض وصلاحيات المجلس محل تساؤل مشروع.
إعلان وزارة الخارجية الأردنية أن الوثائق المرتبطة بالدعوة ما تزال قيد الدراسة وفق الإجراءات القانونية الداخلية يعكس مقاربة حذرة ومدروسة، تنسجم مع نمط السياسة الأردنية القائمة على "وزن الكلفة السياسية قبل اتخاذ القرار"؛ فالأردن يدرك أن أي مشاركة في ترتيبات ما بعد الحرب لا يمكن فصلها عن مسألة السيادة الفلسطينية، ولا عن خطر تحوّل الأطر الدولية المؤقتة إلى بدائل سياسية طويلة الأمد، تعيد إنتاج أشكال جديدة من الوصاية، أو تفرض أعباء إنسانية وأمنية على أطراف إقليمية دون امتلاك أدوات القرار الحقيقي.
وتزداد هذه الحساسية في ظل هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر الماضي، إذ تجعل أي التزام سياسي مرهون بسلوك الأطراف على الأرض، ولا سيما الجانب الإسرائيلي، وقدرته على الالتزام باستحقاقات التهدئة وعدم توظيف الإدارة المؤقتة كبديل عن مسار سياسي شامل. وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن غياب الأردن عن مثل هذا الإطار قد يفتح المجال أمام مقاربات أحادية لا تراعي المصالح العربية أو الفلسطينية، وهو ما يفسّر التعامل الأردني البراغماتي مع الدعوة، لا رفضًا مسبقًا ولا قبولًا متسرّعًا، بل تموضعًا محسوبًا يوازن بين الحضور والتأثير من جهة، وتجنّب التورّط السياسي من جهة أخرى.
في المحصلة، تمثّل الدعوة الأميركية اختبارًا جديدًا للدبلوماسية الأردنية، بين منطق المشاركة المشروطة لحماية الثوابت الفلسطينية والعربية، ومنطق الحذر من الانخراط في ترتيبات قد تُدار خارج إطار الحل السياسي الشامل. فنجاح أي "مجلس سلام" في غزة لن يُقاس بتركيبته أو مدته، بل بقدرته على الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذور الصراع. وأي إخفاق في هذا المسار لن يعني فقط تعثّر التهدئة، بل سيعيد إنتاج حالة عدم الاستقرار المزمنة بكلفة سياسية وأمنية أعلى، في منطقة لم تعد تحتمل مقاربات ناقصة أو ترتيبات انتقالية بلا أفق.