إيران بين "شرطي الخليج" و "محور الوكلاء" .. لماذا تدفع شعوبنا الفاتورة؟
د. سعيد المومني
21-01-2026 07:12 PM
ليس ما يجري في إيران شأناً داخلياً يمكن للعرب أن يراقبوه من بعيد، أي اهتزاز في طهران أمني أو سياسي أو اقتصادي يمتد سريعاً إلى بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء عبر المال والسلاح والخطاب وشبكات النفوذ. إيران ليست جاراً فحسب، بل عقدة في شبكة أمن الإقليم: حين تهتز، تُختبر خرائط التوازن، ويعود السؤال الواقعي: ماذا يعني اضطراب دولة بنت نفوذها على الامتداد لا على الحدود؟
ولكن الكتابة عن إيران تُساق عادة إلى ثنائية كسولة: إما أن تنتقد طهران فتبدو وكأنك تكتب لصالح الغرب، أو تنتقد الغرب فتبدو وكأنك تمنح طهران حصانة أخلاقية، وأنا لا أريد هذا ولا ذاك. فمعيار هذا المقال بسيط: (المصلحة العربية وحق الشعوب في أن تكون طرفاً لا ساحة).
من الشاه إلى الثورة .. تبدلت الشعارات وبقيت مركزية الدور
في عهد الشاه كانت إيران جزءاً من المعمار الغربي للأمن الإقليمي؛ قوة تُسند بالسلاح والشرعية وتُقرأ كوظيفة ضمن منظومة ردع. ثم جاءت ثورة 1979 فبدلت الخطاب من حليف للغرب إلى خصم، ومن "شرطي الخليج" إلى "الثورة الدائمة". لكن التحول الأهم لم يكن في اللغة وحدها، بل في انتقال الدور من "وظيفة بإشارة" إلى "وظيفة بعقيدة"، مشروع يرى نفسه رسالة تتجاوز الحدود، ويعامل الإقليم بوصفه ميدان نفوذ.
هنا تتضاعف الكلفة علينا: لأن الصراع لم يعد سياسياً فقط، بل صار اجتماعياً مرتبطاً بالهوية، ومفتوحاً على تفكيك الداخل عبر شبكات ولاءات تتجاوز الدولة.
الإسلام السياسي كرافعة .. حين تتحول الفكرة إلى أداة دولة
من الخطأ اختزال إيران في مذهب، ومن الخطأ أيضاً فصل مشروعها عن مصالح أمن قومي. بعد 1979 ارتدت هذه المصالح عباءة الإسلام السياسي، فصار الدين في المجال السياسي لغة لتجاوز الحدود. وحين تتحول الفكرة إلى أداة دولة، يصبح إنتاج الوكلاء والقوة الموازية أسهل من بناء الدولة.
يتكرر المشهد؛ خطاب يبرر السلاح، وسلاح يصنع واقعاً سياسياً، ثم تُدفع المجتمعات الفاتورة باسم "المعنى". وعندما يغيب مشروع الدولة الجامعة، تصبح الأفكار العابرة للحدود بديلاً جاهزاً، وتتحول المجتمعات إلى ساحات تصفية حسابات لا إلى مجتمعات بناء مستقبل.
العراق: بين تفكيك الدولة وبناء النفوذ .. فكانت دولة مخطوفة
دخل الغرب العراق بخطاب التحول الديمقراطي، لكن الحصيلة كانت تفكيكاً لمؤسسات الدولة، وفراغات أمنية، ونظاماً سياسياً هشاً قابلاً للاشتعال. هذا الفراغ فتح الباب للميليشيات واقتصاد الفوضى، ثم تُرك المجتمع يدفع ثمن نموذج وُلد "ناقصاً".
لكن فشل الغرب لا يمنح إيران "براءة"، إيران لم تدخل لتبني ديمقراطية بديلة ولا دولة سيادية قادرة. دخلت لتبني نفوذاً عبر السياسة حيناً، والاقتصاد حيناً، والسلاح حيناً، واختراق الدولة حيناً، وصولاً إلى نموذج "القوة الموازية" التي تتجاوز الدولة باسم إنقاذها. النتيجة أن العراق لم يخرج بدولة سيادية من البوابة الإيرانية ولا بديمقراطية ناضجة من البوابة الغربية؛ خرج ببلد تتنازعه مراكز قرار وبمجتمع يتآكل تحت ضغط الانقسام. وفي لحظة الانهيار انفجر التطرف، فحين تُفكك الدولة تُولد وحوشها.
الطائفية .. من اختلاف اجتماعي إلى وقود جيوسياسي
لم تكن مجتمعاتنا يوماً خارج التاريخ المذهبي، لكن كثيراً منها عاش المذهب بوصفه انتماءً دينياً أو ثقافياً لا بوصفه بطاقة سياسية يومية. ما الذي تغير؟
تحول المذهب إلى وقود نفوذ: مظلومية تُستدعى، وهوية تشحذ، وولاء يعاد تعريفه بحيث يتجاوز الوطن. بعد 2003، ومع فراغ الدولة، صارت الطائفية منطق حكم واصطفاف وتسليح.
المشكلة ليست في "التشيع" كمذهب ولا في "التسنن" كمذهب؛ المشكلة في استثمار الثنائية كأداة لإعادة رسم المجتمعات. وعلينا أن نقول صراحة أن النظام الإيراني الحالي -بوصفه مشروع دولة- كان لاعباً منظماً في تحويل الهويات إلى شبكات نفوذ وصناعة وكلاء أقوى من الدولة أو موازين لها. ليس وحده بالطبع، فالاستبداد العربي، والأخطاء الأمريكية، والقوى المحلية… كلها شاركت. لكن إيران تميزت بقدرة تنظيمية على تحويل الهوية إلى نفوذ مؤسسي.
ولكي لا نسقط في اختزال مضاد، يجب أن نرى إيران كما هي: دولة لها هوية قومية وثقافية ومصالح أمن قومي، لا "مذهب فقط". وهذا تحديداً ما يجعل استثمار المذهب أخطر؛ لأنه حين يصبح المذهب واجهة لقومية ومصالح وتوسع، يتحول الدين إلى أداة، لا إلى قيمة. وهنا يكون الثمن عربياً مضاعفاً، ثمن التفكك الداخلي، وثمن الارتهان الخارجي.
النفوذ ليس سلاحاً فقط .. إنه اقتصاد ظل
لأن سؤال: (لماذا تدفع شعوبنا الفاتورة؟) لا يُجاب فقط بالسياسة والسلاح. الفاتورة اليومية تكتب في الاقتصاد، عقوبات تحول دولاً إلى أسواق تهريب، معابر تتحول إلى ريع مسلح، تمويل غير شفاف، اقتصاد ظل يزاحم الدولة، وعملة وطنية تضعف لأن السيادة منقوصة. وحين تضعف الدولة، يصبح المجتمع الممول القسري لصراع لم يختره: أسعار، بطالة، فساد، وهجرة فرص.
إذا اختفت الصيغة الحالية للنظام الإيراني .. هل نربح أم نخسر؟
هذا سؤال لا يحتمل إجابة واحدة؛ لأن اختفاء النظام ليس حدثاً واحداً: قد يكون سقوطاً سريعاً، أو انتقالاً تفاوضياً، أو إعادة تدوير للنخبة، أو تحولاً تدريجياً يبدل الأدوات دون أن يبدل المنطق.
من جهة، قد يكون التغيير فرصة. تراجع المركز الإيراني سيعني اختبار قدرة شبكات النفوذ على الاستمرار من حيث التمويل والشرعية والانضباط وحتى المعنى. كثير من الوكلاء يعيشون على فائض "الراعي" أكثر مما يعيشون على قبول المجتمع. وحين يضعف "الراعي"، تُطرح الأسئلة داخل المجتمعات: ماذا بقي من خطابكم غير السلاح؟ وما قيمة "الممانعة" إذا كانت الحياة تتآكل؟
ومن جهة أخرى، قد يكون خطراً !! فالفراغ لا يبقى فراغاً. قد تنقلب بعض الشبكات إلى مشاريع مستقلة أشد عنفاً لإثبات الذات، أو تندفع قوى أخرى لملء المساحة. سقوط طهران -إن حدث- ليس ضمانة سلام، ما لم تبن الدول العربية مناعة داخلية تُعيد الاعتبار للدولة.
أما سؤال: هل انتهت مرحلة 1979؟ فالأقرب إلى الواقع؛ قد تنتهي الصيغة لا الفكرة. قد يتراجع نموذج (الجمهورية الإسلامية) بوصفه جهازاً، لكن إيران كقوة إقليمية لن تختفي؛ ستبقى دولة تبحث عن مصالحها. الفرق سيكون في الأدوات، والشهية، والحدود التي يفرضها الداخل الإيراني وموازين القوى.
الدولة أم القوى الموازية؟
هنا لا أشتم إيران دفاعاً عن الغرب، ولا أشتم الغرب دفاعاً عن إيران. المعيار واحد؛ كل مشروع يُضعف الدولة العربية -أياً كان مصدره- هو مشروع ضدنا. وكل خطاب يبرر "قوة موازية" باسم طائفة أو مقاومة أو حماية، يحول أوطاننا إلى ساحات.
نحن لا نحتاج "شرطياً" جديداً، ولا "ثورة" تصدر نفسها إلينا، ولا محوراً يطلب منا الإيمان به. نحتاج دولة طبيعية؛ ترتكز إلى القانون، اقتصاد منتج، عدالة، مواطنة، وسيادة. هذا وحده الذي يرد الخارج إلى حجمه الطبيعي، جاراً يمكن احتواؤه لا قدراً يُفرض علينا.
نعم، تراجع إيران أو خروجها من اللعبة إن حدث هو مصلحة عربية مباشرة لا تحتاج تورية. لأن جزءاً كبيراً من نزيفنا في العقدين الأخيرين كان ثمن "محور الوكلاء" تمدد داخل دولنا، واشتغل على كسر الدولة من الداخل، ثم قدم ذلك كله باسم شعارات أكبر من حياة الناس. وما يُقال عن "تحرير فلسطين" في الخطاب الإيراني في غالبه ليس سلم أولويات لا للمواطن الإيراني ولا حتى لقطاع واسع من النخبة الإيرانية؛ إنها بروباغندا تُستخدم لتبرير النفوذ أكثر مما تُستخدم لبناء مشروع تحرير واقعي.
لكن الاعتراف بأن تراجع إيران مكسب لا يعني أن الأيام القادمة ستكون أفضل تلقائياً. المنطقة كما يبدو لا تخرج من وصاية إلى سيادة، بل تنتقل كثيراً من "وكيل إلى وكيل"؛ ذهب الاتحاد السوفيتي وجاءت إيران في أجزاء من مجالنا، وقد تذهب إيران لتظهر خرائط جديدة. صعود إسرائيلي يسعى إلى هيمنة أوسع، شهية تركية تتطلع إلى تمدد إقليمي، مشروع سعودي يتشكل بمنطق المصالح -وهو الأكثر قرباً لمصالحنا-، وهيمنة أمريكية لم تغادر أساساً وإن بدلت أدواتها. السؤال الحقيقي إذن ليس: من يسقط؟ بل: من يملأ؟ وعلى أي حساب؟ وأين تقف مصالحنا نحن من هذه المشاريع جميعاً؟.
لهذا، إن لم نملك مشروعنا العربي الخاص؛ مشروع الدولة الجامعة، الاقتصاد المنتج، والمواطنة التي تسبق الهوية المعبأة. فسنظل ننتقل من معركة إلى معركة، ومن اصطفاف إلى اصطفاف، ومن راعٍ إلى راعٍ، فيما تدفع شعوبنا الفاتورة نفسها بأسماء جديدة. الخلاص ليس في انهيار لاعب واحد، بل في أن نخرج من منطق "الساحات" إلى منطق "الأوطان" .. عندها فقط يصير الخارج جاراً يمكن احتواؤه، لا قدراً يُفرض علينا.