الأردن في ظل التوتر الإقليمي: تقدير موقف وقراءة في الاحتمالات
د. محمد حيدر محيلان
22-01-2026 11:33 AM
تشهد المنطقة في هذه المرحلة مستوى مرتفعًا من التوتر، تتداخل فيه الإشارات العسكرية مع الضغوط السياسية والدبلوماسية، في مشهد إقليمي مفتوح على احتمالات متعددة.
وفي مثل هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن يطرح الرأي العام أسئلة حول تداعيات ما يجري، خصوصًا بالنسبة لدول تقع في قلب الإقليم، ومن بينها الأردن.
الأردن ليس طرفًا مباشرًا في أي صراع قائم، غير أن موقعه الجغرافي وطبيعة ارتباطه بمحيطه يجعلان من غير الواقعي افتراض العزلة الكاملة عمّا يحدث. فالتجارب السابقة أظهرت أن بعض التطورات الإقليمية تفرض آثارها غير المباشرة، سواء على مستوى الأجواء، أو حركة النقل، أو الاقتصاد، أو حتى المزاج العام.
ومن هنا، فإن المقاربة الأكثر اتزانًا لا تقوم على التهويل ولا على تجاهل المتغيرات، بل على قراءة هادئة للسيناريوهات المحتملة، واستحضار مفهوم تقدير الموقف بوصفه أداة وقائية لإدارة المخاطر، لا خطابًا إعلاميًا.
يمكن الحديث عن ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
الأول يتمثل في تصعيد محدود ومضبوط، تبقى فيه المواجهات محصورة زمنيًا وجغرافيًا، مع استمرار قنوات الاتصال السياسية. في هذه الحالة، تظل الانعكاسات على الأردن غير مباشرة، وقد تقتصر على بعض الارتدادات الجوية أو الإعلامية، وهو سيناريو يمكن التعامل معه ضمن أدوات الإدارة الاعتيادية، شرط الجاهزية والتواصل المؤسسي المنتظم.
السيناريو الثاني يتمثل في توسّع إقليمي متدرّج، تتعدد فيه الساحات، ويطول أمد التوتر.
هذا السيناريو يرفع مستوى التحديات، لا سيما على الصعيد الاقتصادي والخدمي، مثل الطاقة، وسلاسل التوريد، وحركة الطيران والنقل، ما يستدعي إدارة أزمة شاملة تتجاوز الجانب الأمني إلى مختلف مفاصل الدولة.
أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالًا لكنه الأعلى كلفة، فيقوم على انفلات واسع وغير محسوب لمسار الأحداث. في مثل هذا الوضع، تتداخل المخاطر المباشرة وغير المباشرة، وتزداد حساسية الاستقرار الداخلي، ما يتطلب أعلى درجات الجاهزية الهادئة، دون الانزلاق إلى خطاب متوتر أو رسائل مربكة.
وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال دور الدبلوماسية الأردنية التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني، بوصفها أحد عناصر تقليل المخاطر في مرحلة إقليمية معقّدة. فشبكة العلاقات الدولية التي يتمتع بها الأردن، ولا سيما مع الولايات المتحدة والعواصم الأوروبية، تشكّل قناة مهمة لشرح الموقف الأردني، والحيلولة دون التعامل معه كساحة عبور أو طرف في أي تصعيد، وهو دور وقائي يكمّل الجاهزية الأمنية.
وفي خضم هذه السيناريوهات، تبرز أسئلة لا تُطرح عادة في الفضاء العام بقدر ما تُناقش داخل المؤسسات المعنية: كيف يمكن ضبط المجال الجوي إذا توسّعت العمليات؟ ما حدود حماية السيادة دون الانجرار؟ وكيف تُدار الأولويات الاقتصادية والخدمية إذا طال أمد التوتر؟ هذه أسئلة لا تحتاج إلى إجابات علنية، بقدر ما تحتاج إلى استعداد مؤسسي صامت.
الخلاصة أن الأردن، بما راكمه من خبرة في التعامل مع بيئات إقليمية معقّدة، يمتلك القدرة على إدارة هذه المرحلة بحكمة. وما تحتاجه اللحظة الراهنة ليس القلق ولا الاطمئنان المفرط، بل قراءة واقعية، واستعدادًا مدروسًا، وخطابًا متوازنًا يحافظ على الثقة العامة ويصون الاستقرار.