التجارة الإلكترونية سوق مفتوح ومواطن في مرمى الاحتيال
د. هاشم احمد بلص
22-01-2026 12:42 PM
أصبحت التجارة الإلكترونية إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الحديث، لما توفره من سهولة في التبادل التجاري وتجاوزٍ للحدود الجغرافية والزمنية، الأمر الذي جعلها أداة فعالة في تحفيز النمو الاقتصادي وتوسيع قاعدة المستهلكين، لا سيما في الدول النامية ومنها الأردن.
وقد أدى الانتشار الواسع لاستخدام الإنترنت ووسائل الدفع الإلكتروني إلى انتقال جزء كبير من المعاملات التجارية من الإطار التقليدي إلى الفضاء الرقمي، إلا أن هذا التحول السريع لم يواكبه تطور تشريعي كافٍ يوفر الحماية اللازمة للمواطن، الذي يجد نفسه في كثير من الأحيان عرضة للاحتيال والاستغلال دون ضمانات قانونية فعالة.
وتتجلى خطورة التجارة الإلكترونية في كونها تقوم على علاقة تعاقدية غير متكافئة، حيث يمتلك التاجر الإلكتروني المعرفة التقنية والقدرة على التحكم في المنصة الرقمية، في مقابل مستهلك يفتقر في الغالب إلى الخبرة القانونية أو التقنية التي تمكنه من التحقق من مصداقية الجهة المتعاقد معها. وقد أفرز هذا الواقع أنماطًا جديدة من الاحتيال، تمثلت في إنشاء متاجر وهمية، أو عرض سلع لا تطابق المواصفات، أو تحصيل الثمن دون تسليم المبيع، إضافة إلى إساءة استخدام البيانات الشخصية والمالية للمستهلك، وهو ما يشكل اعتداءً مباشرًا على الأمن الاقتصادي والثقة العامة في البيئة الرقمية.
ورغم إدراك المشرّع الأردني لأهمية تنظيم المعاملات الإلكترونية، إلا أن المنظومة القانونية الحالية ما تزال تعاني من قصور واضح في توفير حماية فعالة للمستهلك الإلكتروني. فالنصوص القانونية النافذة جاءت عامة ومجزأة، ولم تتناول خصوصية عقود التجارة الإلكترونية من حيث طبيعتها العابرة للحدود، أو عدم توافر الرؤية المادية للعقد، أو صعوبة إثبات الغش والخداع في البيئة الرقمية. كما أن قانون حماية المستهلك الأردني لم يمنح المستهلك الإلكتروني ذات الضمانات التي يتمتع بها المستهلك التقليدي، الأمر الذي أوجد فجوة تشريعية استغلها بعض التجار للإفلات من المساءلة القانونية.
ويزداد هذا القصور وضوحًا في ظل عدم وجود إلزام قانوني صريح يفرض على المتاجر الإلكترونية الإفصاح عن بياناتها القانونية أو التسجيل داخل المملكة، مما يصعّب عملية الملاحقة القضائية ويجعل المواطن في مواجهة طرف مجهول أو خارج الولاية القضائية الوطنية. كما أن ضعف آليات الرقابة والإنفاذ، وبطء الإجراءات القضائية، والعقوبات غير المتناسبة مع حجم الضرر، كلها عوامل أسهمت في تفشي جرائم الاحتيال الإلكتروني دون رادع حقيقي، وأضعفت ثقة المواطن في الحماية القانونية التي يفترض أن تكفلها الدولة.
وإزاء هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة النظر في السياسة التشريعية الأردنية المتعلقة بالتجارة الإلكترونية، من خلال تبني إطار قانوني متكامل يعالج هذه المعاملات بوصفها نمطًا خاصًا من التعاقد يستوجب حماية استثنائية للمستهلك. ويقتضي ذلك وضع قواعد واضحة تُلزم التاجر الإلكتروني بالشفافية والإفصاح، وتكفل للمستهلك حق العدول عن العقد الإلكتروني خلال مدة معقولة، وتضمن له آليات فعالة لاسترداد أمواله والتعويض عن الضرر. كما يستلزم الأمر تشديد المسؤولية القانونية على مزودي المنصات الإلكترونية، وتغليظ العقوبات المقررة لجرائم الاحتيال الإلكتروني بما يحقق الردع العام والخاص.
ولا تكتمل الحماية القانونية دون إنشاء جهة وطنية متخصصة تُعنى بمراقبة التجارة الإلكترونية، وتلقي شكاوى المواطنين، وتسوية النزاعات بسرعة وكفاءة، فضلًا عن تعزيز التعاون بين الجهات القضائية والأمنية والتقنية لمواجهة الجرائم الإلكترونية ذات الطابع العابر للحدود. وإلى جانب ذلك، يبقى نشر الوعي القانوني والرقمي لدى المواطنين عنصرًا أساسيًا في الوقاية من الاحتيال، إذ لا يمكن للتشريع وحده أن يحقق الحماية المنشودة دون مستهلك واعٍ بحقوقه وواجباته.
وفي الختام، فإن نجاح التجارة الإلكترونية في الأردن لا يتوقف على التطور التقني وحده، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى قدرة المشرّع على توفير بيئة قانونية عادلة ومتوازنة تحمي المواطن من الاحتيال، وتعزز الثقة في المعاملات الرقمية، وتحقق الأمن القانوني في ظل التحول المتسارع نحو الاقتصاد الرقمي.