عريس وعروس أونلاين .. مع أجرة توصيل!
رمزي ناري
22-01-2026 01:18 PM
* شيء من السخرية يُضحك قليلًا ويُوجع كثيرًا
في البلد، لم يعد البيع عبر الإنترنت مجرد خيار إضافي، بل صار أسلوب حياة كامل. تفتح هاتفك، تتصفح صفحة بلا عنوان واضح، بلا محل، بلا معرض، وبلا اسم قانوني، ثم تقرأ الجملة السحرية: «نبيع أونلاين فقط». بهذه العبارة تختفي الأسئلة، وتُعلَّق المسؤوليات، ويُطلب منك أن تثق… ثم تدفع.
نشتري اليوم كل شيء تقريبًا دون أن نراه: هاتفًا، أريكة، ثلاجة، وحتى أشياء يُفترض أن ترافقنا سنوات. وعندما تصل البضاعة مخالفة للوصف والمواصفات، أو أقل جودة، أو مختلفة كليًا، تبدأ رحلة الرسائل غير المقروءة، والوعود المؤجلة، والصفحات التي تختفي فجأة وتعود باسم جديد.
ومن باب مواكبة هذا المنطق - لا مقاومته - خطرت لي فكرة تبدو ساخرة، لكنها في العمق انعكاس دقيق للواقع: لماذا لا نبيع العرسان والعرائس أونلاين أيضًا؟
خدمة متكاملة، بلا جاهة ولا وجاهة، بلا صيوان، بلا ديون طويلة الأمد، وبأجرة توصيل رمزية تتراوح بين دينارين وثلاثة دنانير - مع قبول الإكراميات لمن شاء أن يُكرم - إلى مختلف مناطق المملكة. الدفع عند الاستلام، والثقة، كما هو الحال دائمًا، على مسؤولية الزبون.
قد تبدو الفكرة مبالغًا فيها، لكن من ينظر حوله يدرك أن الزواج نفسه صار صفقة مرهقة. المهور ارتفعت، أسعار الذهب تضاعفت، الرواتب ما زالت كما هي أو أقل، ومتطلبات أهل العروس أصبحت مشروعًا استثماريًا كامل الأركان. مهر كبير «لضمان المستقبل»، ذهب لا يقل عن قائمة تسوّق فاخرة، وجاهة ضخمة تُقاس بعدد السيارات لا بقيمة المعنى، وحفلة لا تليق إلا بفندق خمس نجوم أو قاعة أفراح تبتلع ما تبقى من العمر قبل أن يبدأ.
الشاب يُطلب منه أن يكون مصرفًا متنقلًا: يدفع مهرًا، يشتري ذهبًا بأسعار ملتهبة، يمّول حفلًا أسطوريًا، ويبدأ حياته بدَين طويل، ثم يُسأل بعد أشهر ببراءة قاسية: «ليش متغير؟». أما إن تجرأ واعترض، فيُتهم بعدم الجدية، أو بقلة الرجولة، أو بأنه «مش قد الزواج».
في ظل هذا كله، يصبح عرض «عريس/عروس أونلاين» أقل غرابة مما نعتقد. العروس ستكون «كما في الصورة»، مع هامش طبيعي للاختلاف عند الاستلام. قد يختلف اللون قليلًا، أو الطباع، أو نبرة الصوت، فهذه أمور واردة في التجارة الإلكترونية. أما العريس، فهو بحالة جيدة، مستعمل استعمالًا خفيفًا، مع آثار تجارب سابقة لا تؤثر- حسب البائع - على الأداء العام. الشخصية حسب المتوفر في المخزون، والمزايا الإضافية مثل التفهّم والهدوء وتحمل المسؤولية غير مشمولة في العرض.
الصور، بطبيعة الحال، لأغراض تسويقية فقط، ولا تشكّل التزامًا قانونيًا أو اجتماعيًا. المهم أن الطلب يتم، والبضاعة تُشحن.
يصل العريس أو العروس خلال 24 إلى 48 ساعة، ويتم التسليم عند باب البيت. يُفضّل فتح الطرد أمام المندوب، لكن دون إطالة، لأن المندوب غير مسؤول عن الصدمة الأولى… ولا الثانية. بعد التوقيع، تبدأ الحياة الواقعية، بكل ما فيها من تفاصيل لم تكن في الوصف.
أما سياسة الاستبدال والإرجاع، فهي مرنة بقدر ما يسمح به المجتمع: يمكن الإرجاع والاستبدال خلال أول أربع وعشرين ساعة فقط، شرط أن يكون المنتج بحالته الأصلية، غير مستعمل، وغير متعلَّق به عاطفيًا. أي تعوّد، أو تعاطف، أو محاولة فهم متبادل تُسقط حق الإرجاع فورًا. ويُمنع الإرجاع نهائيًا إذا تدخلت العائلة، أو قيلت العبارة الشهيرة: «خلّص… مش مهم».
الكفالة متوفرة لمدة أسبوع واحد، وتشمل فقط العيوب الخَلقية الواضحة أو الأعطال النفسية الكبيرة وغير المتوقعة. أما اختلاف الطباع، وضغط التوقعات، وتدخل الأقارب، وعبارات مثل «هيك عاداتنا وتقاليدنا» أو «إنت فاهم الموضوع غلط»، فهي خارج نطاق الضمان، ولا تتحمل الشركة البائعة مسؤوليتها.
وفي حال ظهرت مشاكل لاحقًا، يمكن التواصل مع خدمة ما بعد البيع عبر الرسائل. سيتم الرد خلال ثلاثة إلى سبعة أيام عمل. وإن لم يصلك رد، نعتذر سلفًا: الصفحة أُغلقت، وتم افتتاح صفحة جديدة باسم مختلف وشعار أحدث.
قانونيًا، الشركة غير مسؤولة عن القرارات المصيرية الناتجة عن الشراء، والدفع عند الاستلام لا يشمل الندم اللاحق، ولا يوجد، للأسف، ضمان ضد الطلاق المبكر.
قد يبدو هذه الموضوع ساخرًا، لكنه يلمس واقعًا مؤلمًا يتجاوز طرفًا واحدًا. فكما يُثقل الشاب بطلبات تفوق قدرته، تُحاصر كثير من الفتيات بمنظومة لا تقل قسوة. فتيات لا يطلبن مهرًا فلكيًا، ولا ذهبًا مضاعفًا، ولا حفلات أسطورية، لكن صوتهن يذوب وسط الجملة الجاهزة: «هيك عاداتنا وتقاليدنا». تُختزل رغبتهن في الاستقرار بحسابات الوجاهة، ويُؤجَّل مستقبلهن باسم ما سيقوله الناس، لا ما يحتجنه فعليًا.
ثم يأتي يوم الزفاف، تُطفأ الأضواء، تُطوى الفساتين، ويبدأ الزواج الحقيقي. زواج يبدأ منهكًا قبل أن يتعلم الوقوف، مثقلًا بديون، وتوقعات، وصور مثالية لا تشبه الواقع. لا وقت فيه للتعلّم البطيء أو للخطأ، لأنه ببساطة «كلف كثيرًا»، ولا يُسمح له أن يفشل… ومع ذلك، يفشل كثيرًا.
وحين تتراكم الخيبات، لا يُسأل النظام، بل يُلام الأفراد. يُقال إنهم لم يتحملوا، لم يصبروا، لم يعرفوا كيف يديرون حياتهم، بينما الحقيقة أبسط وأقسى: لقد بدأوا السباق بأحمال لا تُحتمل.
نضحك من فكرة العريس الأونلاين، لأنها صريحة. تعترف منذ البداية بأنها بلا ضمان. أما الزواج كما يُمارس اليوم في كثير من الأحيان، فيُباع على أنه حلم كامل، واستقرار مضمون، وأمان اجتماعي… ثم يُسلَّم أحيانًا كفاتورة طويلة بلا نهاية.
هذه ليست دعوة للسخرية فقط، بل للتفكير الجاد في معنى الزواج، وفي أي نقطة تحولت العادات من إطار اجتماعي إلى عبء خانق. ومتى نخفف عن الشباب والفتيات معًا، قبل أن نطالبهم بما لا يُحتمل، ثم نتفاجأ بانهيارات كان يمكن تفاديها لو بدأنا ببساطة أقل، وصدق أكثر.