توجهات الدولة في تنظيم "الإعلام الرقمي" بين الرؤية والمسؤولية
فيصل تايه
22-01-2026 01:34 PM
بعد ان شرعت الحكومة الى إحالة مشروع نظام "تنظيم الإعلام الرقمي" إلى ديوان التشريع والرأي ، تقدمت خطوة محسوبة نحو إعادة ترتيب العلاقة بين الإعلام والمجتمع والدولة في عصر لم تعد فيه المعلومة حبيسة الانماط القديمة ، ولا التأثير محصوراً في الأطر التقليدية ، في الوقت الذي لم يعد فيه الإعلام الرقمي هامشاً مكملاً للمشهد العام، بل أصبح أحد أهم أدوات تشكيل الوعي وصناعة الرأي العام، بما يحمله من فرص هائلة وتحولات مفصلية .
هذا التوجه ياتي في وقت تتسارع فيه التحولات الرقمية عالمياً ، ما يجعل من الأردن نموذجاً يحتذى في إدارة الإعلام الرقمي ضمن سياق عربي متوازن، يحمي الحرية ويضمن الاستقرار ، اذ ان هذه الخطوة يمكن التعامل معها بوصفها إجراءً تشريعياً واجباً، وتعبيراً واضحاً عن إدراك الدولة لطبيعة التحول العميق الذي فرضه الفضاء الرقمي، وعن رغبة حقيقية في تنظيم هذا الفضاء ضمن إطار متوازن يحمي المجتمع، ويصون الحريات، ويعزز المهنية، ويفتح الباب أمام الاستثمار والابتكار دون فوضى أو ارتجال.
من الواضح ان الإعلام الرقمي فرض واقعاً جديداً تجاوز منطق البث الأحادي، وأعاد تعريف العلاقة بين المنتج والمتلقي، وجعل من كل فرد مشروع ناشر أو مؤثر ، وفي ظل هذا التحول، يصبح غياب التنظيم خطراً لا يقل عن سوء التنظيم، إذ أن ترك الفضاء الرقمي بلا ضوابط يفتح المجال أمام التضليل، والإساءة، وضياع المعايير المهنية، بينما يؤدي التنظيم المتسرع أو القاسي إلى تقويض الحريات وخنق الإبداع ، ومن هنا تبرز أهمية أن يأتي هذا النظام نتاج رؤية شاملة لا رد فعل مؤقت.
إن الرهان الحقيقي في هذا المشروع لا يكمن في عدد مواده أو صرامة إجراءاته، بل في الفلسفة التي تحكمه، وفي قدرته على التمييز الواضح بين الإعلام الرقمي المهني ذي الأثر العام، وبين المحتوى الشخصي الذي يجب أن يبقى مصوناً ومحمياً ، اذ ان هذا التمييز ليس تفصيلاً قانونياً ثانوياً ، بل هو أساس الاستقرار التشريعي، وضمانة لعدم التوسع في التفسير أو إساءة التطبيق مستقبلاً .
كما أن إدراج التقنيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، ضمن سياق التنظيم الإعلامي، يعكس وعياً مبكراً بأن التحديات المقبلة لن تكون تقليدية ، فالذكاء الاصطناعي بات جزءاً من صناعة المحتوى، ومن أدوات التأثير، ومن آليات الانتشار، الأمر الذي يستدعي إطاراً أخلاقياً واضحاً يوازن بين الاستفادة من هذه التقنيات وبين حماية المجتمع من مخاطر التزييف والتضليل وانتهاك الخصوصية.
وتكمن أهمية هذه المرحلة في كونها مرحلة تمهيدية مفتوحة على النقاش المؤسسي، تستدعي مشاركة أهل الاختصاص والخبرة والمعرفة، لا بوصفهم معترضين أو مدافعين، بل شركاء في تجويد الصياغة وبناء نص قادر على الصمود أمام تحولات المستقبل ، فالتشريعات الناجحة لا تفرض، بل تصاغ بالحوار، وتختبر بالآراء، وتحسن قبل أن تصبح واقعاً ملزماً ، وبذلك فإن نجاح المشروع مرهون بإشراك كافة الأطراف المعنية، من مؤسسات إعلامية وخبراء وتقنيين، لضمان توافق النظام مع الاحتياجات الواقعية، وتحقيق مرونة تطبيقه دون التضحية بالقيم المهنية.
ويعد النظام المرتقب بمثابة منصة انطلاق لإدارة التحولات القادمة، بحيث يظل إطاراً مرناً قادراً على استيعاب أي تطور تقني أو إعلامي جديد، دون الحاجة لإعادة اختراع التشريعات مع كل تحول ، فالمسؤولية اليوم ملقاة على عاتق صناع القرار والتي تتجاوز إقرار نظام جديد، لتصل إلى ضمان أن يكون هذا النظام مرجعاً وطنياً طويل الأمد، وخارطة طريق واضحة، وأداة تنظيم مرنة قادرة على استيعاب التطور دون الحاجة إلى إعادة إنتاج الأزمات مع كل تحول تقني جديد ، فالقوانين التي تكتب بعقل اللحظة وحدها سرعان ما تستهلك نفسها، أما تلك التي تكتب بعين المستقبل فتبقى.
في اعتقادي انه اذا أحسن استثمار هذه اللحظة، سيكون الأردن قد رسم خارطة طريق حقيقية للإعلام الرقمي، تحمي المجتمع، وتعزز المهنية، وتؤسس لعصر جديد من الثقة والمسؤولية ، كما وان نجاح هذا التوجه سيضع الأردن في موقع متقدم إقليمياً في إدارة الإعلام الرقمي، كنموذج يوازن بين الحرية والمسؤولية، ويحترم القيم المجتمعية، ويدعم الإعلام المهني، ويمنح الدولة أدوات تنظيم حديثة غير متصادمة مع روح العصر ، وهو في الوقت ذاته رسالة ثقة بأن الدولة قادرة على إدارة التحول الرقمي بحكمة، وبعقل تشريعي منفتح، وبشراكة حقيقية مع المجتمع.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى تنظيم الإعلام الرقمي على أنه تحد تشريعي فحسب، بل هو اختبار للرؤية، وللقدرة على استشراف المستقبل، ولحكمة الموازنة بين ما يجب حمايته وما يجب إطلاقه ، وإذا أُحسن استثمار هذه اللحظة التشريعية، فإنها ستكون نقطة تحول حقيقية في مسار الإعلام الأردني، وتأسيساً لبيئة رقمية أكثر نضجاً ومسؤولية في السنوات القادمة.
والله ولي التوفيق