رسائل من الزيارة الملكية لمحافظة إربد
المحامي محمد مروان التل
22-01-2026 01:36 PM
عاشت محافظة إربد يومًا مختلفًا امتزج فيه البعد الإنساني بالرسائل السياسية والتنموية، مع زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني ولقائه الفعاليات الشعبية فيها. زيارة لم تكن مجرد محطة بروتوكولية في جدول أعمال، بل جاءت محمّلة بدلالات عميقة تستحق التوقف عندها، خاصة أنها تزامنت مع افتتاح مستشفى الأميرة بسمة وعدد من المشاريع التنموية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
الرسالة الأولى التي عكستها هذه الزيارة تمثلت في تكريس نهج الحضور الميداني والتواصل المباشر بين جلالة الملك وأبناء شعبه، نهج يقوم على الاستماع إلى هموم المواطنين ومطالبهم دون حواجز، وعلى توجيه الجهات المعنية لتنفيذ المتطلبات الشعبية التي تنسجم مع الرؤية الملكية للتطوير والتحديث. وفي هذا السياق أسهمت الزيارات الملكية المتواصلة إلى المحافظات والقرى والبوادي والمخيمات في إبقاء المسؤولين ضمن دائرة الرقابة والتقييم الدائمين، حيث باتت نتائج الأداء هي المعيار الحقيقي للمساءلة، لا حجم الوعود ولا عدد التقارير. كما شكّل هذا النهج الملكي قدوة في عمل الدولة، انعكست على سلوك العديد من المسؤولين الذين أصبحوا أكثر حضورًا في الميدان، وأكثر قربًا من المواطنين، إدراكًا بأن الإدارة الفاعلة تبدأ من التواصل المباشر وتنتهي بتحقيق أثر ملموس على أرض الواقع.
أما الرسالة الثانية من الزيارة الملكية، فقد حملت دلالة واضحة على أن الأردن ماضٍ بثبات في مسار البناء والتطوير والتحديث بمساراته الثلاثة الإدارية والسياسية والاقتصادية، رغم ما يحيط بالإقليم من نزاعات وحروب وتحديات اقتصادية تعيق فرص النمو في كثير من دول المنطقة و التي تنعكس بالضرورة على الأردن. فقد جاء افتتاح مستشفى الأميرة بسمة، ثاني أكبر مستشفى حكومي في المملكة، بسعته البالغة 566 سريرًا، وتوجيه الحكومة لتأسيس مركز لعلاج أمراض السرطان يخدم محافظة إربد والمناطق المجاورة، ليؤكد أن الاستثمار في صحة الإنسان وكرامته يظل أولوية وطنية لا تخضع لاعتبارات الظرف الإقليمي. كما أن افتتاح مشاريع تنموية أخرى، كالمعرض الدائم للمنتجات الزراعية والريفية، يعكس توجه الدولة نحو تطوير البنية التحتية وتعزيز النشاط الاقتصادي والخدمي المحلي، بما يوفّر فرص عمل ويخفف الأعباء عن المواطنين، في رسالة واضحة مفادها أن التحديث ليس خيارًا مؤجلًا، بل مسارًا مستمرًا تمضي فيه الدولة الأردنية بإرادة سياسية راسخة رغم محدودية الموارد وتعقيدات المشهد الإقليمي.
أما الرسالة الثالثة التي حملتها زيارة جلالة الملك إلى محافظة إربد، فقد تجلّت في الزخم الشعبي اللافت الذي رافق الزيارة، وفي مشهد الفرح العام الذي عمّ أرجاء المحافظة، مع نزول المواطنين إلى الشوارع بأعداد كبيرة لاستقبال جلالته، دون أن يكون المشهد منظمًا أو مفتعلًا، بل جاء تعبيرًا عفويًا صادقًا عن عمق التلاحم بين القيادة والشعب، وعن رصيد الثقة المتجذر الذي يتمتع به جلالة الملك في وجدان الأردنيين. وقد حمل هذا الحضور الشعبي الكثيف دلالة سياسية لا تقل أهمية عن بقية رسائل الزيارة، مفادها أن العلاقة بين الأردنيين وقيادتهم تقوم على رابط وجداني حيّ يتجدد في لحظات التحدي كما في لحظات الإنجاز، ويؤكد أن الاستقرار الوطني الأردني يستند إلى قاعدة شعبية واعية ترى في قيادتها مظلة جامعة وضمانة لوحدة الصف، وقدرة على عبور الأردن وسط إقليم مضطرب دون التفريط بثوابته أو مصالحه العليا.
لقد جاءت زيارة جلالة الملك إلى محافظة إربد لتؤكد أن الدولة الأقرب إلى ناسها هي الأقدر على الاستمرار، في زمن تتسع فيه الفجوة بين المواطن وصانع القرار في كثير من دول المنطقة. ففي إربد، بدا التواصل المباشر، وإطلاق المشاريع من قلب الاحتياج، والاستثمار في الصحة والتنمية، نهجًا راسخًا للدولة الأردنية، لا رسائل آنية مرتبطة بزيارة عابرة، بل مسارًا اختارته القيادة منذ سنوات وتؤكد عليه اليوم أكثر من أي وقت مضى. ومن إربد، تتجدد رسالة الثقة بأن الأردن، رغم كل التحديات، لا يزال يمضي إلى الأمام بعقل الدولة وبقلب قريب من الناس