الثَّقافةُ في عصرِ المعلومة
أمل المشايخ
24-01-2026 02:24 PM
تتردَّدُ عبارةُ (هل تعلم) بينَ النّاسِ في جلساتِهم لا سيّما في برامجِ الإذاعةِ المدرسيّةِ لدى الصّغارِ والنَّشءِ، ولعلَّها عبارةٌ منْ شأنِها أنْ تلفتَ النَّظرَ لما نظنُّ أنَّه مهمٌّ من المعلوماتِ، وكثيرٌ منْ هذه المعلوماتِ ينقصُه الدِّقةُ والمرجعيَّةُ العلميَّةُ الصَّحيحةُ. اليومَ يخطرُ لي أنْ أسألَ في عصرِ التَّفجُّرِ المعرفيِّ: ما قيمةُ معلومةٍ تردُ تحتَ هذا العنوانِ والعمّ (جوجل) وأشقاؤه منْ محركاتِ البحثِ يعطونكَ المعلومةَ ومئاتِ المصادرِ التي تفصِّلُها وتردُّك وتردُّها إلى أصلِها وجذورِها، بلْ يصلُ الأمرُ أنْ يسألَك: "هل تقصدُ ...؟”، يخطرُ لي اليومَ أنْ أسألَ أيضًا: ما قيمةُ معلومةٍ العلمُ فيها لا ينفعُ، والجهلُ فيها لا يضرُّ بعدَ تغيُّرِ المعلومةِ بينَ عشيَّةٍ وضحاها في عصرِ التَّخصّصِ العموديِّ؟؟
"هلْ تعلم" تعيدُنا إلى الزَّمنِ الجميلِ، أمّا المعلومةُ ففائدتُها أو ثمرتُها أنْ تُوظَّفَ في سياقِها؛ فللكلمةِ وَهَجُها، لكنْ ليسَ كلُّ ما يندرجُ تحتَ (هلْ تعلم) هو معلومةٌ صحيحةٌ بالضَّرورةِ..
وأما ربطُ الثَّقافةِ بالمعلومةِ فذاكَ خلطٌ بين المعرفةِ والثَّقافةِ؛ فالمعرفةُ موجودةٌ في مصادرَ متعدِّدةٍ، وكلُّ ما نحتاجُه هو البحثُ الجادُّ ثمَّ التَّوظيفُ الصَّحيحُ، أمّا الثَّقافةُ فهي منهجُ حياةٍ تعزِّزُها المعلومةُ، ولكنَّ القضيَّةَ لا تنعكسُ؛ فليستْ المعلوماتُ وحدَها مؤشِّرَ عافيةٍ ثقافيَّةٍ، لا سيِّما في زمنٍ يشهدُ عزوفَ الكثيرين عن الكتابِ حينَ باتَ جيلٌ كاملٌ من أبنائِنا يركنُ إلى المعلومةِ السَّريعةِ كالسّاندويش في هذا الزَّمنُ الذي يشهدُ السَّرعةَ في كلِّ شيءٍ، وليسَ ثمَّةَ منهجٌ علميٌّ دقيقٌ يضبطُ العمليَّةَ حينَ لمْ تعد المعلومةُ مؤشّرًا على علمٍ أو معرفةٍ؛ فالمصادرُ كثيرةٌ، ولكنْ أينَ المنهجُ الذي به تُستخدمُ المعلومةُ؟ ذاكَ هو السُّؤالُ، وهذا هو التَّحدي.
وبالطَّبعِ مهما تعدَّدتْ وسائلُ المعرفةِ يبقى الكتابُ هو المدخلَ الأهمَّ إلى الثَّقافةِ والمعرفةِ، وتظلُّ كثافةُ المعلوماتِ وسهولةُ الحصولِ عليها تكشفُ عنْ حال المتعاطي معها، ومدى الاستفادةِ منها والعملِ بها.
ولكنْ للمدنيَّةِ حسنٌ وبريقٌ، ونحنُ أبناءُ هذا العصرِ الذي تعدُّ فيه (الإنترنت) وما جاءتْ به منْ مواقعِ التّواصلِ أهمَّ الاكتشافاتِ وبلا منافسٍ، وهذه يصحُّ أنْ يقالَ فيها إنّها سلاحٌ ذو حدّين إنْ شئْنا أحيا وكان منارةً للتّائهين، وإنْ شئْنا أماتَ وأضاع الوقتَ وشتّتَ الجهودَ وضيَّعَ الأُسرَ.
هلْ قلتُ مدنيَّةً؟ نعم، إنَّ نشرَ قيمِ الجمالِ والسَّلامِ والكمالِ وبثِّ روحِ العلمِ والبحثِ والاكتشافِ منْ أنجعِ الوسائلِ وأكثرِها فعاليَّةً، وإنْ اسْتخدمتْ هذه الوسائلُ في نشرِ الرَّذيلةِ وتشويهِ قيم الجمالِ والخيرِ فهي النّارُ الحارقةُ لإعمارِ هذا الكونِ..
حينَ يكونُ الاستخدامُ العاقلُ للمعلومةِ ومواقعِ التَّواصلِ فذاكَ يرتقي بالمدنيَّةِ لتصبحَ مرتبطةً بالأخلاقِ، عندها –وعندَها فقط- تغدو المدنيَّةُ حضارةً، وتلكَ إنسانيّة الإنسان وثقافتهِ.