facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التحول البنيوي للقوات المسلحة: استجابة استراتيجية لتهديدات المستقبل


د. عماد الحمادين
24-01-2026 11:48 PM

جاء الأمر الملكي الموجّه إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة بوضع استراتيجية تحول شاملة للقوات المسلحة الأردنية في لحظة إقليمية ودولية بالغة التعقيد، تتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية، وتبدّل طبيعة التهديدات، وتراجع فاعلية العقائد العسكرية التقليدية أمام أنماط جديدة من الحروب. ولم يكن هذا التوجيه إعادة صياغة شكلية أو تحديثًا إداريًا محدودًا، بل دعوة واضحة إلى تحول بنيوي شامل يمس هيكل القوات المسلحة، وعقيدتها القتالية، وأنماط تفكيرها، وأساليب تدريبها وتسليحها، وآليات إدارتها للعمليات، بما يضمن جاهزيتها للتعامل مع تهديدات لم تعد تقليدية، بل باتت مركّبة، هجينة، ومتعددة المجالات.

ويُعرّف علماء الاستراتيجية الاستراتيجية بوصفها الاستخدام الأمثل للموارد الدفاعية المتاحة من أجل تحقيق الغايات والأهداف المحددة مسبقًا. ويؤكد كل من W. Murray وM. Grimsley أن:
“Strategy is a process, a constant adaptation to the shifting conditions and circumstances in a world where chance, uncertainty, and ambiguity dominate.”

أستنادا الى الخبرة العملية في المجال العسكري فإن الاستراتيجية ليست وثيقة جامدة، بل عملية ديناميكية مستمرة تقوم على التكيّف المتواصل مع الظروف والمتغيرات، في عالم تحكمه الصدفة، وعدم اليقين، والغموض. ومن هذا المنطلق، جاءت الاستراتيجية الجديدة للقوات المسلحة الأردنية شاملة لأهم القضايا العملياتية والاستراتيجية التي تحتاجها المؤسسة العسكرية لتطوير قدراتها، حيث حدّدت بوضوح مهمة القوات المسلحة في مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية، وتركت التفاصيل الفنية والتنفيذية للاستراتيجيات الفرعية التي ستنبثق عنها.

وتعكس التوجيهات الملكية قراءة استشرافية دقيقة لدور القوات المسلحة في الصراعات المستقبلية، في ظل بيئة استراتيجية متغيرة وسريعة التحول. فقد كشفت الحروب الأخيرة في المنطقة، ولا سيما حرب غزة، إضافة إلى المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية، أن أنماط الحروب الحديثة تجاوزت أساليب الدفاع التقليدية، وأظهرت الحاجة الملحّة إلى خطط تعبوية جديدة تتلاءم مع طبيعة المهام في الحروب المعاصرة. وفي هذا السياق، تمثل الاستراتيجية الجديدة خارطة طريق متكاملة تحدد أسس النهوض العسكري وآليات إعادة الهيكلة، وتعكس في الوقت ذاته اطلاعًا واسعًا لجلالة الملك على الفكر الاستراتيجي الكلاسيكي والحديث، بما في ذلك مفاهيم حماية مراكز الثقل الاستراتيجي والعملياتي، كما تناولها كارل فون كلاوزفيتز.

وقد نشأت الحاجة إلى هذه الاستراتيجية نتيجة التطورات التكنولوجية المتسارعة، والتحولات في استراتيجيات الدول المحيطة، إضافة إلى ما أفرزته حرب غزة من تغيير جوهري في العقيدة العسكرية للجيش الإسرائيلي، حيث أصبح إدماج التكنولوجيا المتقدمة والتقنيات الناشئة أمرًا لا مفر منه في بناء القوات الحديثة. وفي ظل هذه المتغيرات، بات الالتزام بعقيدة عسكرية تقليدية يشكّل عائقًا أمام تحقيق الأهداف العملياتية والاستراتيجية.

وتؤكد الحروب الحديثة، ولا سيما الحروب غير التقليدية والهجينة، الحاجة إلى قوات رشيقة من حيث الحجم، عالية الكفاءة من حيث التدريب ونوعية التسليح. وهو ما يستدعي إعادة النظر في أسس التجنيد والتدريب، بما يواكب متطلبات التهديدات الجديدة. فالجندي في العصر الحديث لم يعد يعتمد على القوة البدنية وحدها، بل بات مطالبًا بامتلاك معرفة أساسية بالتكنولوجيا الحديثة، والقدرة على استخدام أنظمة تسليح متطورة تتطلب توظيف العقل بقدر ما تتطلب الجهد البدني.

وإذا ما استُعرضت الحروب الحديثة منذ هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة، يلاحظ أن التركيز انصبّ في بداياتها على قوات مكافحة الإرهاب من حيث التدريب والتسليح، واستخدامها في عمليات البحث والتفتيش والتدمير. غير أن تطور طبيعة الصراع فرض توسيع دائرة الاهتمام لتشمل أفرعًا أخرى، مثل سلاح الجو، والاستخبارات الاستراتيجية، وعمليات الخداع الاستراتيجي، وهي عناصر جوهرية في الحروب الهجينة التي أشارت إليها الاستراتيجية، ولكن بتفصيل اقل. ويؤكد هذا التحول أن القوات المسلحة بحاجة إلى تغيير بنيوي حقيقي، لا مجرد تعديل شكلي، كي تتلاءم مع متطلبات الحرب الحديثة.

وتولي الاستراتيجية الجديدة اهتمامًا بالغًا بموضوع البحث والتطوير، باعتباره أحد أهم ركائز التفوق العسكري. فالتجارب الإقليمية والدولية تُظهر أن الدول المتقدمة عسكريًا حققت تفوقها من خلال عاملين رئيسيين: أولهما الاستثمار المستمر في البحث والتطوير، كما هو الحال في تجربة الطائرات المسيّرة التركية، وثانيهما الاستثمار في العنصر البشري وتطويره، وبناء قدرات قادرة على توطين التكنولوجيا، لا سيما في المجال الدفاعي. وقد عالجت الاستراتيجية هذين البعدين من خلال توجيه القوات المسلحة إلى تعزيز التعاون مع الشركات المحلية، والانفتاح على الشركات العالمية، وزيادة الاستثمار في توطين التكنولوجيا، بهدف الاستفادة من الخبرات الوطنية والوصول تدريجيًا إلى مرحلة الاكتفاء التصنيعي والعسكري، وهو هدف استراتيجي تسعى إليه جميع القوات المسلحة التي تواجه تهديدات ديناميكية ومتغيرة.

كما ركزت الاستراتيجية على تطوير منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات والاستطلاع (C4ISR) لتكون آمنة وموثوقة، إدراكًا لأهميتها الحاسمة في الحروب الحديثة. فقد أظهرت التجارب الأخيرة أن القدرة على الحفاظ على اتصال آمن وفعّال بين القيادة ومراكز القتال تمنح تفوقًا واضحًا على الخصم. ففي المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية الأخيرة، أدى تدمير عدد من مراكز القيادة والاتصال، ومقتل قادة بارزين، إلى خلق فراغ أمني وعملياتي أثّر بصورة مباشرة في القدرة على إدارة العمليات والدفاع. كما أدى تعطيل مراكز اتصال الدفاعات الجوية إلى منح الطائرات الإسرائيلية حرية حركة جوية واسعة.

وتحظى قوات الاحتياط بمكانة محورية في الاستراتيجية الجديدة، إذ لم تعد تُعد مجرد قوة رديفة، بل أُنيطت بها أدوار قريبة من مهام القوات الأساسية، ولا سيما في حماية مراكز الثقل الاستراتيجي والعملياتي، وتأمين خطوط الإمداد والتزويد التي تشكّل العمود الفقري لاستدامة العمليات العسكرية. وقد أظهرت التجربة الإسرائيلية في حرب غزة قدرة عالية على الحشد السريع لقوات الاحتياط، التي اضطلعت بمهام دعم وإسناد، بل ونفذت في بعض الحالات عمليات رئيسية. ولتحقيق هذا المستوى من الجاهزية، شددت الاستراتيجية على ضرورة تدريب قوات الاحتياط بشكل مستمر وبمستويات قريبة من تدريب القوات الضاربة الأساسية.

ومن أبرز الجوانب المستحدثة في الاستراتيجية الجديدة التأكيد على الدمج العملياتي، لا العضوي، لقوات حرس الحدود والدرك ووحدات الشرطة الخاصة. وقد جاء هذا التوجه استجابة لطبيعة التهديدات السائلة، مثل التهريب عبر الحدود، ومنع تسلل عناصر إرهابية أو مسلحة إلى داخل أراضي المملكة، إضافة إلى تحقيق اقتصاد في الجهد والوقت، وتفادي سوء التنسيق والأخطاء أثناء تنفيذ العمليات. ويُسهم وجود قيادة عملياتية موحدة في تحقيق تنسيق فعّال بين عمليات فرض القانون والعمليات العسكرية–المدنية المشتركة، لا سيما في البيئات التي تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والإنسانية.

ولا تغفل الاستراتيجية توجيه رسائل داخلية وخارجية واضحة، مفادها أن القوات المسلحة الأردنية في جاهزية تامة لمواجهة أي تهديد يمس أمن المملكة، وأن التحول الهيكلي والبنيوي الجاري يستهدف التعامل مع تهديدات غير تقليدية، انسجامًا مع مبدأ «وأعدّوا لهم ما استطعتم».

الاستراتيجية الجديدة توائم بين االموارد المادية المتوفرة للقوات المسلحة وألاهداف المطلوب تحقيقها بشكل مدروس ومهني ، إذ تشير الدراسات الاستراتيجية إلى أن أحد أبرز أسباب فشل الاستراتيجيات يكمن في عدم التوازن بين الإمكانات والاهداف (Ends and Means) وفي هذا الإطار، فإن متطلبات إعادة الهيكلة البنيوية للقوات المسلحة تقع ضمن قدراتها المادية والعملياتية، ويمكن تحقيقها إلى حد كبير من خلال حسن توجيه الموارد البشرية المتوافرة، وتفعيل الأذرع الاستثمارية التابعة للقوات المسلحة، بما يحدّ من تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية.

* مركز الدراسات الاستراتيجية - الجامعة الاردنية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :