الأردن في مجلس السلام "حضور حذر في لحظة دولية فاصلة"
سامح المحاريق
25-01-2026 12:08 AM
تعلقت الفكرة المبدئية بمجلس السلام بالأوضاع في قطاع غزة والسعي إلى الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق الذي انتهت بموجبه العمليات العسكرية المباشرة تجاه ترتيبات قائمة على الأرض، وبطموح كبير تجاه الانتقال إلى تفعيل جهود الإغاثة الإنسانية ومباشرة إعادة إعمار القطاع، إلا أن المجلس وطبيعة الدعوات التي وجهت لدول عديدة حول العالم، جعلته يبدو مشروع مؤسسة رديفة أو بديلة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي يسعى إلى تسوية مجموعة من النزاعات في العالم من خلال أسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القائم على عقد الصفقات الطموحة والانطلاق منها تجاه مقاربات ممكنة.
تمهل الأردن أمام الدعوة التي وصلت إلى الملك عبد الله الثاني من الرئيس الأمريكي للانضمام إلى مجلس السلام، خاصة وأن الفكرة الأساسية السابقة كانت متعلقة بالأوضاع في قطاع غزة، والأردن يحمل سياسة بالغة الخصوصية تجاهه بشكل خاص، وتجاه القضية الفلسطينية بشكل عام، وكان التساؤل: هل بوسع الأردن أن ينخرط في المجلس أم يبقى بعيدًا ومنعزلًا عنه، ولذلك أتت رسالة قبول الانضمام التي ضمت ثماني دول كان لها دور متجانس بخصوص الأوضاع في قطاع غزة، وبعد أيام قليلة من الدعوة، كان الأردن ومصر والسعودية والإمارات وقطر وتركيا وإندونيسيا وباكستان جميعها تعلن التواجد في المجلس.
أثبتت الأعوام الماضية أن الدول التي رشحت سابقًا من أجل التأسيس لعالم متعدد الأقطاب بعيدة عن تحقيق ذلك على أرض الواقع، وكان للصين وروسيا مواقف سلبية كثيرة وحتى محبطة تجاه جملة من القضايا العالمية من أهمها العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وبصورة أقرب اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قبل فترة وجيزة، ويبدو أن الضغوطات الأمريكية على أوروبا وما يقابلها من إجراءات خافتة ومتواضعة من الجانب الأوروبي تؤكد عودة أمريكية للعالم على طريقة الرئيس ترامب الذي يسعى لوضع جميع الصفقات الممكنة على الطاولة والمناورة داخل سوق سياسي كبير.
هذه ليست الطريقة المفضلة لدى السياسة الأردنية، وربما ليست لأي من الدول الثمانية التي أعلنت الانضمام في البيان المشترك، والتمسك بالمنظومة الدولية القائمة على الرغم من عيوبها والانتقادات التي توجه لآليات عملها هو من الأمور المحسومة في الأردن، إلا أن ذلك لا يعني الابتعاد والسلبية تجاه ما يمكن أن يعيد تشكيل العالم لعقود قادمة من الزمن.
يطرح الرئيس الأمريكي صفقات كبرى كانت غير متخيلة قبل عودته للبيت الأبيض، فهو يلمح أنه لا يمانع في أن تكون الصين سيدة الشرق الآسيوي وحتى أن تبتلع جزيرة تايوان التي بقيت عنوانًا متوقعًا لحرب عالمية ثالثة، وفي المقابل، يبدو متحسسًا تجاه أي تحركات يمكن أن تمس من هيبة الولايات المتحدة وسيطرتها على النصف الغربي من العالم، ويبقى منتصف العالم الذي يضم الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وأفريقيا بوصفه خزانًا للموارد ولتقاطعات الطرق التجارية.
هذه الصفقات مبدئية، وما اعتاده العالم من الرئيس الأمريكي هو طرح الحدود القصوى لأي من تصوراته لتشكيل حالة من الضغوطات على الجميع، ويبدأ التفاوض من موقع القوة بحيث تظهر التنازلات التي يقدمها للوصول إلى حل وسط وكأنها سعي للسلام وللوصول إلى حالة الفوز للجميع التي يرددها كثيرًا، مع أن الوضعية الجديدة ستكون أقرب لتحقيق المصالح الأمريكية، ومع ذلك سيحظى الطرف المقابل بشعور قوي بأنه انتزع شيئًا.
تختلف هذه السياسة بشكل كبير عن الاستراتيجيات الأمريكية السابقة القريبة من لعبة الشطرنج، التي تستهلك الكثير من الوقت من أجل تعديلات بسيطة على خارطة القوى العالمية. فالعالم مع ترامب يظهر أكثر ديناميكية وانفتاحًا على تسوية ملفات كثيرة مؤجلة.
في وسط هذه الحالة المعقدة يمكن أن يُعتبر الأردن من الدول التي تمثل نموذجًا لسياسة وسطية داخل المجلس. وتواجدها في نقاشاته ومداولاته يمكنها على الأقل من عرض وجهة نظرها ومن طرح تعديلات متباينة على الصفقات المطروحة. وبالمناسبة، فالأردن بين الدول الثماني التي اشتركت في بيان إعلان الانضمام للمجلس هي الأقل في الموارد المادية، ولكنها كما أظهرت الترتيبات التمهيدية للمرحلة الأولى من اتفاق غزة تمتلك كلمة حاسمة داخل المجموعة، ولديها القدرة على التواصل الثنائي مع جميع دولها، والمحاور الضمنية داخلها، وهو ما يجعلها شريكًا في صياغة المواقف النهائية والعرض المقابل حسب اللغة الترامبية، خاصة أن جميع الدول هي متصلة عضويًا في تصورات التجارة العالمية وترتيبات الشرق الأوسط المستقبلية لتداخل ذلك مع أمنها بصورة مباشرة مثل السعودية وتركيا ومصر، أو غير مباشرة مثل باكستان وإندونيسيا.
كيف سيعمل المجلس، وما هي أجندة القضايا أو الصفقات التي ستوضع أمامه، هذه أمور من المبكر الحديث عنها، ولكن ما يمكن قوله أن المجلس هو فصل جديد من صياغة مستقبل العالم لا يقل في أهميته عن مبدأ أيزنهاور في 1957، الذي بقي الأردن يتابعه من موقع وسطي ولم يستغله مطلقًا مثل لبنان الذي كان من أوائل الدول التي طلبت تفعيل المبدأ، ودفع ثمنًا غاليًا لذلك.
مجلس السلام ما زال غير واضح، ولكن الاقتراب منه سيبقى أفضل من البقاء بعيدًا. وفي وسط مجموعة من الدول المتفاهمة حول المصالح العليا المرتبطة بالمستقبل، يمكن أن تحضر بعض المكاسب، وعلى الأقل، تجنب الكثير من المخاطر والتكاليف.
الرأي