مجلس السلام .. محاولة ترامب لتغيير أقفال العالم بعدما احتفظ بالمفاتيح
د. هيفاء ابوغزالة
25-01-2026 12:36 PM
لم يكن اقتراح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإنشاء «مجلس السلام» مجرّد مناورة لغوية أو استعراض سياسي عابر، بل كان رسالة مضمرة إلى العالم تُعلن وفاة مجلس الأمن بطريقة تشبه إعلان نهاية مؤسسة ما زالت، وبشكل متناقض ، خاضعة لمنطق القوة الذي لطالما استخدمه ترامب نفسه. فالرجل الذي امتلك القدرة على تعطيل القرارات وإطلاقها، وتوجيه البوصلة الدولية بما يناسب أجندته، هو ذاته الذي يقف اليوم ليخبر العالم أن النظام القائم لم يعد صالحًا، وأنه بجرأة محسوبة يمتلك “الوصفة البديلة”.
الحقيقة أن مجلس الأمن، رغم بنيته المتقادمة، ظل دائمًا منصة بأقفال أميركية. استخدمته واشنطن متى شاءت، وعطّلته حين أرادت، وأعادت تشكيل مساراته عبر الفيتو والضغط والتحالفات. وهو ما يجعل سؤال العالم اليوم مشروعًا:
لماذا إذن يريد ترامب مجلسًا جديدًا وهو الذي يعرف أكثر من غيره أن المجلس القديم لم يخرج يومًا من عباءته؟
الجواب واضح لمن يريد أن يرى:
ترامب لا يريد إصلاح النظام الدولي، بل يريد إعلان نهايته بطريقة تمنحه شرعية لولادة نظام آخر بقيادته هو، لا بقيادة الولايات المتحدة فقط.
هذه ليست مبالغة، بل قراءة لمشهد يختلط فيه الطموح الشخصي بالاستراتيجية العميقة.
فترامب لا يرى العالم من خلال المؤسسات، بل من خلال “الصفقة”. والمؤسسات التي لا تُدار بالصفقات في نظره هي مؤسسات لا فائدة منها.
من هنا جاءت فكرة «مجلس السلام»، ليس كحاضنة دولية جديدة تُعالج عجز مجلس الأمن، بل كبوابة تسمح لترامب بتجاوز قواعد اللعبة القديمة. مجلس تُكتب قواعده من الصفر، يُمنح فيه الحق لمن يملك القوة لا الشرعية، وتُصاغ معاييره على مقاس من يقف خلف الفكرة لا على مقاس المجتمع الدولي. إنه ليس مجلسًا للسلام بقدر ما هو منصّة لشرعنة القوة تحت عنوان جديد ناعم، يحمل كلمة “السلام ” لكنه يخفي أدوات الهيمنة ذاتها.
وما يجعل الفكرة أكثر خطورة أنها لا تستهدف مجلس الأمن كمؤسسة فقط، بل تستهدف مفهوم الأمن الجماعي نفسه. فالرجل الذي كثيرًا ما انتقد الحلفاء، وهاجم الأمم المتحدة، وأعلن مرارًا أن العالم لا يجيد إلا “الركوب على أكتاف أميركا”، لا يسعى لبناء منصة تشاركية بقدر ما يسعى لبناء منصة تابعة، تشرّع رؤيته وتمنحه موقع الحكم الأخير في تعريف الصراع والسلام.
وبهذا يصبح إنشاء «مجلس السلام» خطوة سياسية ذات مغزى:
إنه إعلان وفاة للنظام الدولي بصوت من كان أكثر من استفاد منه.
وهو تناقض يعكس جوهر المدرسة الترامبية:
تهدم المؤسسة بعد أن تفرغها من معناها، ثم تعلن أن زمن البدائل قد حان، وتطرح نفسك بوصفك المهندس الوحيد القادر على إعادة البناء.
العالم لا يحتاج إلى مجلس سلام بشروط أحادية، ولا إلى منصة تُعاد صياغتها لتصبح نسخة مكمّلة لسلطة تتجاوز مجلس الأمن نفسه. ما يحتاجه العالم هو إرادة دولية تعيد الاعتبار لمفهوم الشراكة، وتمنع احتكار تعريف الأمن والسلام من قبل أي قوة مهما بلغ حجمها. فسلامٌ يولد من منطق التفرد ليس سلامًا، بل مشروع صراع مؤجل، مكتوب على عنوانه كلمة «سلام» بينما تُدار فصوله بأدوات القوة ذاتها.