الخدمات الإدراكية ومستقبل المدن
البروفيسور يوسف العساف
25-01-2026 12:54 PM
ترتكز كثير من الخدمات اليوم على التكنولوجيا بوصفها غاية بحد ذاتها، بينما هي في الواقع أداة تمكينية لا أكثر. التحوّل الحقيقي يتمثل في الانتقال إلى "الخدمات الإدراكية": خدمات تفهم السياق، وتعمل بشكل استباقي، وتتعلم من البيانات، وتستخدم التحليل المتقدم لاستخلاص المعنى ودعم اتخاذ القرار، بما ينسجم مع سلوك الناس واحتياجاتهم الفعلية. إن امتلاك تقنيات متقدمة لا يجعل الخدمة إدراكية تلقائياً ما لم تُبنَ على منطق تشغيلي/تفكيري قادر على التعلم المستمر والتكيّف مع الواقع وقياس الأثر.
الخدمة الإدراكية هي خدمة تتمحور حول الإنسان، وتستند إلى نماذج رقمية تفهم السلوك والاحتياج، وتستخدم البيانات المتراكمة، وتكامل الأنظمة، وحلقات التغذية الراجعة لتحسين الأداء وجودة التجربة. وهنا تبرز أهمية تصميم الخدمات، إذ يحدّد مسارات القرار، ونقاط التفاعل، وضوابط الاستخدام المسؤول للتقنيات. ومن دون تصميم واعٍ، تتحول الحلول التقنية إلى أنظمة معزولة محدودة الأثر.
وعند تطبيق الخدمات الإدراكية عبر مجالات متعددة مثل التنقّل، والرعاية الصحية، والتعليم، والطاقة، والسلامة العامة، والبيئة، تتشكّل المدينة الإدراكية. فالمدينة الإدراكية ليست مجرد مدينة تعتمد على الحساسات ولوحات المراقبة، بل منظومة حضرية قادرة على فهم ذاتها وسكانها ومحيطها الطبيعي. فهي تتعلّم من الأنماط السلوكية والبيئية، وتحاكي السيناريوهات المستقبلية، وتستبق المخاطر، وتدعم اتخاذ القرار على مستوى الأفراد والمؤسسات والقيادات.
وتولي المدينة الإدراكية أهمية محورية للحفاظ على البيئة وجميع أشكال الحياة، إذ تُدمج الاستدامة في صميم التخطيط الحضري وصنع القرار. فهي تراقب جودة الهواء والمياه، وتدير الطاقة والموارد بكفاءة، وتحمي التنوع الحيوي، وتوازن بين النمو الحضري وصون النظم البيئية، بما يضمن رفاه الإنسان والكائنات الأخرى على حد سواء.
وتظهر ملامح هذا النموذج في عدد من المدن المتقدمة حول العالم. ففي دبي، يجري الانتقال من الخدمات الرقمية إلى خدمات استباقية تعتمد على تكامل الجهات وتحليل البيانات، مع تركيز متزايد على الاستدامة البيئية وجودة الحياة. وفي سنغافورة، تُستخدم الرؤى المستخلصة من البيانات لدعم تخطيط حضري يحافظ على الموارد الطبيعية ويحد من الأثر البيئي. أما في سيول، فتُدار الخدمات العامة بطريقة توازن بين الكثافة الحضرية وحماية البيئة والمساحات الطبيعية.
وفي المدينة الإدراكية، تتكامل الخدمات من خلال منصات بيانات موحّدة، وتُبنى السياسات العامة على رؤى آنية دقيقة، ويصبح القرار قائماً على الأدلة والمعرفة لا على التقدير فقط. عندها تنتقل الحوكمة من ردّ الفعل إلى الاستباق، ويشعر المواطن بأن الخدمات العامة تستجيب له بذكاء ومرونة.
وتُعدّ الخدمات الإدراكية ضرورة لكلٍّ من الجهات الحكومية والقطاع الخاص، مع اختلاف الأهداف والمسؤوليات. فالحكومات تستخدمها لتحسين جودة الخدمات العامة، وإدارة الموارد، وتعزيز الثقة المجتمعية، وتحقيق الاستدامة طويلة الأمد، بينما يوظفها القطاع الخاص لرفع الكفاءة، وتحسين تجربة المستفيدين، وبناء نماذج أعمال مسؤولة. ويكمن الفرق الجوهري في الغاية: فالحكومة تسعى إلى أثر مجتمعي وبيئي شامل، في حين يركّز القطاع الخاص على خلق القيمة، ويشكّل التكامل بينهما الأساس لبناء مدن ليست ذكية فحسب، بل إدراكية، إنسانية، ومستدامة