لا يقيم وزناً لأحد ، ولا يهمه سوى نفسه ، يتربّع على عرش القوة ، وعلى شاشات الإعلام أيضا ، يوزّع رسومه الجمركية المجحفة ، على الأصدقاء قبل الأعداء ، من تابع حديثه في دافوس ، يدرك بأن جهود ومداولات الرئيس خلاله ، لم يكن لها غرضٌ ،سوى الإستعراض ، بإعتباره القيصر والرئيس التنفيذي ، المتحكّم بشركة كبرى ، أعضاء مجلس إدارتها زعماء العالم كله ، لاحظه الجميع وهو يحْرِفُ الانتباه عن الهدف الحقيقي المطلوب والملّح في مثل هذا اللقاء الهام . تجاهل غياب زعماء العالم المهمين ، ولم يُعرْ أي اهتمام لقضية غزة ، فلا حماس وفق رؤيته تريد تسليم سلاحها ، إلاّ إلى سلطة فلسطينية مرفوضة أصلا من إسرائيل ، ولا نتنياهو يرغب بالانسحاب منها ، وإن فَرَض عليه الإنسحاب ، فسيطيح ذلك ليس بالأخير وحسب ، وإنما بقدرة إسرائيل كلها ، على التجاوب مع خطته ، ناهيك عن العودة المحتملة للجدل الصاخب بين ساسة إسرائيل ، بعدما سوف تفرزه نتائج انتخاباتهم القادمة حول هذا الموضوع ، هذا وحده كفيل بالقضاء على وهم ترامب بأعمار غزة ، وبإقامة ريفيرا الشرق الأوسط عليها ، وفق عرض صهره كوشنر المطوّل والممل في المنتدى .
لم يكن ترحيب قادة أوروبا بتراجع ترامب ، عن فكرة الاستحواذ على غرينلاند صادقاً ، فهم لازالوا غير مطمئنين ولا واثقين ، أزعجه كثيراً تماسكهم ضد طموحاته ، معظمهم لم يصدّق حتى الآن ، أنه تراجع نهائياً عن فكرته ، وعَزوْ فضل تراجعه النسبي والمؤقت ، لموقفهم الحازم والموحّد ، كل همهم كان استعادة الاستقرار النسبي على ضفتي الأطلسي ولو إلى حين .
الخشية من أفكاره ، جعل الإتحاد الأوروبي نكاية به ، يتجه ويندفع سريعاً نحو الهند ، الدولة الكبيرة الواعدة بنظرهم ، لتعزيز شراكته الاقتصادية والسياسية معها ، عبر تنظيم زيارة سريعة لرئيسة المفوضية الأوروبية للهند ، بعد أن أصبحت الاخيرة دولة ، توشك أن تكون عظمى بمقاييس الإقتصاد وعدد السكان ، المُهدَدة مثلهم أصلا ، برسوم ترامب الجمركية ، في مسعى من الاتحاد ، لمواجهة تداعيات سياسة ترامب ، التي أربكت النظام الدولي القائم على القواعد ، بل دفعت الطرفين للبحث عن تحالفات أعمق ، وقواسم مشتركة مع شركاء متقاربين في الرأي . هي شراكة واعدة في وجه غطرسة ترامب ، وربما تشكل محطة مفصلية في مسار العلاقات بين الهند وأوروبا ، في ظل الضغوط التي تمارسها إدارة ترامب على الطرفين في مسألة الرسوم الجمركية .
يشكو الكثير من قادة العالم خاصة الاوروبيين ، من أن السِمَة الغالبة والخطرة ، التي باتت تسيطر على النسخة الجديدة من الرئيس ترامب ، في ولايته الثانية ، هي الغرور وعدم الإنضباط والاندفاع السريع في إتخاذ القرارات المتعلقة بالعالم ، دون إحتساب أدنى شك من العواقب المحتملة ، وبصورة تخيّم عليها روحٌ إستعلائية ، وعدم ثبوت مواقفه السياسية ، بعد أن بات يتعامل مع الدول والتحالفات الدولية ، وكأنهم أصول في شركته الربحية ، هذا وحده جعل الرئيس ترامب يبدو أمام العالم ، وكأنه فرصة ضائعة للولايات المتحدة ، لتقديم قائد مثالي يعزز التعاون بين الدول ، وينهي الحروب كما يدّعي ، عِوضَ كيل التهم والاستهانة بالحلفاء قبل الأعداء .