أزمة المعايير في التصنيفات العالمية: من يقيس التأثير ومن يملكه
لانا ارناؤوط
25-01-2026 06:57 PM
باتت التصنيفات العالمية في السنوات الأخيرة جزءًا ثابتًا من المشهد الإعلامي، تتناقلها المنصات والصحف بوصفها حقائق نهائية لا تقبل الجدل، خصوصًا تلك المرتبطة بالمؤثرين الإعلاميين وصنّاع الرأي العام غير أن قراءة متأنية لأي دراسة حديثة تكشف أن هذه التصنيفات ليست مرآة دقيقة للواقع بقدر ما هي نتاج منظومة معايير واختيارات منهجية وإعلامية تُفضي في النهاية إلى نتائج محددة سلفًا أو قابلة للتوجيه ، في دراسة أُجريت مؤخرًا حول المؤثرين الإعلاميين، غاب الأردن عن قائمة الدول المشمولة، وهو غياب لا يمكن فهمه بوصفه مؤشرًا على ضعف التأثير بقدر ما يجب قراءته في سياق أوسع يتعلق بطبيعة الدراسة نفسها وحدودها وأهدافها.
المعايير العالمية التي تُبنى عليها مثل هذه الدراسات تعتمد بالدرجة الأولى على الدول المشاركة، فاختيار العينة ليس تفصيلًا تقنيًا بل هو قرار حاسم يرسم حدود النتائج مسبقًا. عندما تقتصر الدراسة على عدد محدود من الدول، غالبًا ما تكون دولًا ذات كثافة سكانية عالية أو أسواق رقمية ضخمة أو تأثير اقتصادي وإعلامي عابر للحدود، فإن أي دولة خارج هذا النطاق تصبح غير مرئية في النتائج، لا لغياب التأثير وإنما لغياب القياس. من هنا يصبح الغياب مسألة منهجية لا قيمة تقييمية، لكنه يُقدَّم إعلاميًا أحيانًا على أنه مؤشر تراجع أو قصور.
ولا يقل دور الجهة التي تجري الدراسة أهمية عن اختيار العينة، إذ إن كل مؤسسة بحثية أو إعلامية أو تسويقية تحمل في خلفيتها تصورًا محددًا لمعنى “التأثير” وهدفًا معينًا من القياس، فالدراسات المدعومة من منصات رقمية أو مبادرات إعلامية دولية تميل بطبيعتها إلى التركيز على أشكال تأثير قابلة للقياس الرقمي مثل نسب المشاهدة والتفاعل والانتشار عبر منصات بعينها، وهو ما يستبعد تلقائيًا أنماطًا أخرى من التأثير الإعلامي المرتبط بالسياق المحلي أو الثقافي أو السياسي في هذه الحالة يصبح المؤثر هو من يتوافق مع أدوات القياس لا من يترك أثرًا حقيقيًا في مجتمعه.
أما طريقة القياس نفسها فهي جوهر الإشكالية، إذ تُختزل ظاهرة معقدة مثل التأثير الإعلامي في أرقام ونسب ومؤشرات لا تعبّر بالضرورة عن عمق الرسالة أو استدامة الأثر أو نوعية الجمهور، عدد المتابعين لا يعني بالضرورة تأثيرًا، وحجم التفاعل لا يعكس دائمًا وعيًا أو تغييرًا في السلوك، لكن هذه المؤشرات تُفضَّل لأنها سهلة العرض وسريعة التداول إعلاميًا ومع تكرار نشرها تتحول من أدوات تحليل إلى مسلمات ذهنية، ويُعاد إنتاجها بوصفها حقائق لا تحتاج إلى مساءلة.
هنا يتقاطع البحث العلمي مع التوجيه الإعلامي، إذ تُنتقى نتائج بعينها من دراسات واسعة وتُقدَّم في عناوين مختصرة تخدم سردية محددة، بينما تُغفل الشروط والهامش والخلفيات المنهجية تتحول الدولة إلى “الأكثر” أو “الأقل” أو “الأضعف” بناءً على مؤشر واحد، ويغيب السياق الاقتصادي والاجتماعي والديمغرافي الذي يجعل المقارنة في كثير من الأحيان غير عادلة أو غير دقيقة بالمعنى الحقيقي تمامًا كما يحدث في تصنيفات الدخل أو استهلاك المياه أو حتى الجمال والوسامة، حيث يُمنح الرقم سلطة رمزية تتجاوز قيمته العلمية.
من المهم هنا طرح سؤال المستفيد من هذه التصنيفات، لأن الإجابة تفتح باب الفهم الحقيقي المستفيد قد يكون سوق الإعلان، أو المنصات الرقمية، أو المؤسسات الإعلامية الباحثة عن محتوى سريع الانتشار، أو حتى مراكز بحث تسعى لتكريس نموذج معين لفهم التأثير وفي خضم هذا كله تتراجع قدرة المجتمعات الصغيرة أو المتوسطة على الظهور، رغم امتلاكها تجارب إعلامية مؤثرة وفاعلة ضمن سياقها المحلي والإقليمي.
غياب الأردن عن مثل هذه الدراسات لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه إدانة أو حكمًا نهائيًا، بل كدعوة لإعادة التفكير في مفهوم “العالمي” ذاته، وفي مدى عدالة المعايير المستخدمة، وفي الفرق بين ما هو قابل للقياس وما هو حقيقي في أثره فالتأثير الإعلامي ليس رقمًا عابرًا للحدود فقط، بل هو علاقة مع المجتمع، وقدرة على تشكيل الوعي، وصناعة نقاش عام، وهذه كلها عناصر لا تلتقطها التصنيفات بسهولة، لكنها تشكّل جوهر الفعل الإعلامي الحقيقي.